السبت، أكتوبر 17، 2009

صور مثيرة للشفقة من غيرة عائشة

صور مثيرة للشفقة من غيرة عائشة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية عطرة لكم إخواني الأعزاء
غيرتها من خديجة عليها السلام :
ما أخرجه مسلم في صحيحه ج 4 ص 1888 ح 2435 ط دار إحياء التراث العربي ( عن عائشة قالت ثم ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت فأغضبته يوما فقلت خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد رزقت حبها) وص 1889 ح 2435 عن عائشة قالت ثم ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها وما رأيتها قط ) و( 2437 عن عائشة قالت ثم استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال اللهم هالة بنت خويلد فغرت فقلت وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها )(1) وفي فتح الباري قال ابن حجر ج 7 ص 135 ط دار المعرفة ( وان عائشة كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغار من خديجة أكثر وقد بينت سبب ذلك وانه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه ( وآله)وسلم إياها ووقع في الرواية التي تلي هذه بابين من هذا حيث قال فيها من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وأصل غيرة المراة من تخيل محبة غيرها أكثر منها وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة وقال القرطبي مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها قلت وقع ثم النسائي من رواية النضر بن شميل عن هشام من كثرة ذكره إياها وثنائه عليها فعطف الثناء على الذكر من عطف الخاص على العام وهو يقتضي حمل الحديث على أعم مما قاله القرطبي قوله هلكت قبل أن يتزوجني ذكر في الحديث الذي بعده قدر المدة وسيأتي البحث فيه وأشارت بذلك إلى أنها لو كانت قوما في زمانها لكانت غيرتها منها أشد قوله وأمره الله أن يبشرها الخ )

غيرتها من زينب :
ومن غيرتها ما أخرجه البخاري ج 2 ص 877 ط دار ابن كثير باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره ح 2349 حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس رضي الله عنه ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ثم بعض نسائه فأرسلت إحدى العالمين المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال كلوا وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة وقال بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا حميد حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ) والكاسرة للطبق عائشة (2(

وغيرتها غير منحصرة بأم المؤمنين خديجة الكبرى عليها السلام بل تعدت إلى أم سلمة وزينب وحفصة وصفية وغيرهن
ففي فتح الباري ج 5 ص 124 و 125 ط دار إحياء التراث العربي (قوله باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره أي هل يضمن المثل أو القيمة 2349 قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ثم بعض نسائه في رواية الترمذي من طريق سفيان الثوري عن حميد عن أنس أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها الحديث أخرجه أحمد عن بن أبي عدي ويزيد بن هارون عن حميد به وقال أظنها عائشة قال الطيبي إنما أبهمت عائشة تفخيما لشأنها وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها قوله فأرسلت إحدى العالمين المؤمنين مع خادم لم صليت على اسم الخادم وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش ذكره بن حزم في المحلي من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن حميد سمعت أنس بن مالك أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس الحديث واستفدنا منه معرفة الطعام المذكور ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة فروى النسائي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي المتوكل عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صفحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة الحديث وقد اختلف في هذا الحديث على ثابت فقيل عنه عن أنس ورجح أبو زرعة الرازي فيما حكاه بن أبي حاتم في العلل عنه رواية حماد بن سلمة وقال أن غيرها خطأ ففي الأوسط للطبراني من طريق عبيد الله العمري عن ثابت عن أنس إنهم كانوا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة قال فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعاما عجلة فلما فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها الحديث وأخرجه الدارقطني من طريق عمران بن خالد عن ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة معه بعض أصحابه ينتظرون طعاما فسبقتها قال عمران أكثر ظني أنها حفصة بصحفة فيها ثريد فوضعتها فخرجت عائشة وذلك قبل أن يحتجبن فضربت بها فانكسرت الحديث ولم يصب عمران في ظنه أنها حفصة بل هي أم سلمة كما تقدم نعم وقعت القصة لحفصة أيضا وذلك فيما رواه بن أبي شيبة وابن ماجة من طريق رجل من بني مسمى عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فصنعت له طعاما وصنعت له حفصة طعاما فسبقتني فقلت للجارية انطلقي فأكفئي قصعتها فأكفأتها فانكسرت وانتشر الطعام فجمعه على النطع فأكلوا ثم بعث بقصعتي إلى حفصة فقال خذوا ظرفا مكان ظرفكم وبقية رجاله ثقات وهي قصة أخرى بلا ريب لأن في هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة وفي الذي تقدم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها وروى أبو داود والنسائي من طريق جسرة بفتح الجيم وسكون المهملة عن عائشة قالت ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت يا رسول الله ما كفارته قال إناء كإناء وطعام كطعام إسناده حسن ولأحمد وأبي داود عنها فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة فهذه قصة أخرى أيضا وتحرر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجيء الحديث من مخرجه وهو حميد عن أنس وما عدا ذلك فقصص أخرى لا يليق بمن يحقق أن يقول في مثل هذا قيل المرسلة فلانة وقيل فلانة الخ تحرير قوله بقصعة بفتح القاف إناء من خشب وفي رواية بن علية في النكاح ثم المصنف بصحفة وهي قصعة مبسوطة وتكون الخشب قوله فضربت بيدها فكسرت القصعة زاد أحمد نصفين وفي رواية أم سلمة ثم النسائي فجاءت عائشة ومعها فهر ففلقت به الصحفة وفي رواية بن علية فضربت التي في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت والفلق بالسكون الشق ودلت الرواية الأخرى على أنها انشقت ثم انفصلت قوله فضمها في رواية بن علية فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول غارت أمكم ولأحمد فأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام ولأبي داود والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن حميد نحوه وزاد كلوا فأكلوا قوله وحبس الرسول زاد بن علية حتى أتى بصحفة من ثم التي هو في بيتها قوله فدفع القصعة الصحيحة زاد بن علية إلى التي كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت زاد الثوري وقال إناء كإناء وطعام كطعام قال بن بطال احتج به الشافعي والكوفيون فيمن استهلك عروضا أو حيوانا فعليه مثل ما استهلك قالوا ولا يقضي بالقيمة..). وفي عون المعبود ج 9 ص 348 ط دار الكتب العلمية (باب فيمن أفسد شيئا يغرم مثله كان ثم بعض نسائه هي عائشة فأرسلت إحدى العالمين المؤمنين هي صفية كما في الرواية الآتية قال القسطلاني أو حفصة رواه الدارقطني وابن ماجه أو أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط وإسناده أصح من إسناد الدراقطني وساقه بسند صحيح وهو أصح ما ورد في ذلك ويحتمل بقصعة بفتح القاف إناء معروف فضربت أي بعض نسائه أي عائشة بيدها أي يد الخادم والخادم يطلق على الذكر والأنثى فجعل يجمع فيها أي في القصعة المكسورة المضمونة إحدى الكسرتين إلى الأخرى الطعام أي الذي انتشر منها غارت أمكم ). وفي تحفة الأحوذي ج 4 ص 495 ط دار الكتب العلمية ( أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هي زينب بنت جحش كما رواه ابن حزم في المحلى عن أنس ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة كما رواه النسائي عنها وبعض الروايات تدل على أنها حفصة وبعضها تدل على أنها أم سلمة وبعضها تدل على أنها صفية قال الحافظ وتحرر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجىء الحديث من مخرجه وهو حميد عن أنس وما عدا ذلك فقصص أخرى لا يليق بمن تحقق أن يقول في مثل هذا قيل المراسلة فلانة وقيل فلانة تحرير انتهى). والحلقات الأخر في غيرتها تأتي تباعا
ــــــــــــــــــــــــ الهامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي أيضا في البخاري باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله ج 3 ص 1388و1389 ح 3605 و3606 و3607 و 3610 وفي ج 5 ص 2004 ح 4931 باب باب غيرة النساء ووجدهن وج 5 ص 2237 ح 5658 باب حسن العهد من الإيمان وج 6 ص 2721 ح 7046 ط ابن كثير ومصباح الزجاجة ج 2 ص 121 ط دار العربية وسنن البيهقي الكبرى ج 7 ص 307 باب غيرة النساء ووجدهن ح 14573 و 14574ط مكتبة دار الباز والسنن الكبرى ج5 ص 94 ح 8361 و8362 و8363 وج 5 ص 290 ط دار الكتب العلمية وسنن ابن ماجة ج 1 ص 643 ط و أحمد 6 ص 58 ح 24355 وص 202 ح 25699 وص 279 ح 26430 ط مؤسسة قرطبة ومسند اسحاق بن راهويه ج 2 ص 212 ح 720 ط مكتبة الإيمان وفضائل الصحابة ج 2 ص 854 ح 1589 وص 855 ح 1592 ط مؤسسة الرسالة والذرية الطاهرة ج 1 ص 40 ح 38 وص 41 ح 39 ط دار السلفية وقضائل الصحابة للنسائي ج 1 ص 75 ط دار الكتب العلمية (2) أحمد بن حنبل باقي مسند المكثرين ح 11589وح 25162 ط العالمية ج 3 ص105 ط مؤسسة قرطبة والترمذي ج كتاب الأحكام ح 1279 وقال عنه حديث حسن صحيح ط العالمية ج 3 ص 640 ح 1359 ط دار إحياء التراث العربي والنسائي كتاب عشرة النساء ح 3894 ط العالمية ومصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 301 ح 36281 ط مكتبة الرشد الرياض تحقيق كمال الحوت وفتح القدير ج 4ص 266 ط المكتبة التجارية الكبرى مصر والمحلى لابن حزم ج 8 ص 141 ط دار الآفاق الجديدة تحقيق لجنة دار إحياء التراث العربي والمغنى ج 5 ص 139 ط دار الفكر ونيل الأوطار ج 6 ص 70 دار الجيل والترمذي باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر ج 3ص 640 ح 1359 ط دار إحياء التراث العربي

الحلقة الثانية :صور أخرى من غيرة السيدة عائشة المفرطة :

غيرتها من أسماء بنت النعمان
وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّت عرساً للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فقالت لها: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب هذه المقالة (1)

غيرتها من شراف أخت دحي الكلبي :
ومرّة بعثها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيت يا عائشة؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً تجدها اقشعرت منه ذوائبك. فقالت: يا رسول الله ما دونك سرّ، ومن يستطيع أن يكتمك (2).

غيرتها من السيدة مارية
وها هي عائشة أم المؤمنين تحكي مرة أخرى عن غيرتها من أمهات المؤمنين قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بين النعمان، وفزعنا لها فجزعت، فحوّلها رسول الله إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا ثم رزقه الله الولد منها وحرمناه (3). كما أنّ عائشة تعدت غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود الرضيع البريء ! قالت لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ، فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً. فقال رسول الله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ قالت فقلت: من سقي ألبان الضّان إبيضّ وسمن (4). وهذه وثيقة بذلك من كتاب القوم :


الغيرة المفرطة جدا :
وقد تعدّت غيرتها كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ولكنّها ترقب زوجها وتتحسّس مكانه في الظلام وتتعقّبه أين ما ذهب وإليك الرواية عن لسانها والتي: أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرّات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فاسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشياً رابيهً؟ قالت فقلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرته قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله… (5).

غيرتها من جارية :
ومرة أخرى قالت فقدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: رب اغفر لي (6) وأخرى قالت: إن رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة، أغرتِ؟ فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله: أفأخذك شيطانك...(7).

غيرتها من أم سلمة :
عن عائشة قالت لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حزنا شديدا لما ذكروا لنا من جمالها فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن فذكرت ذلك لحفصة و كانتا يدا واحدة فقالت لا والله إن هذه إلا الغيرة ما هي كما تقولين وإنها لجميلة فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة ولكني كنت غيرى (8)
ـ
(1) ـ الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/145. الإصابة لابن حجر: 4/233. تاريخ اليعقوبي: 2/69. (2) ـ طبقات ابن سعد: 8/115. كنز العمال: 6/294. (3) ـ الطبقات الكبرى لأبن سعد: 8/212، أنساب الأشراف: 1/449، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني . (4) ـ أخرجها في ترجمة مارية القبطية. 4ـ الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/37 ترجمة إبراهيم بن النبي ـ وكذلك في أنساب الأشراف ,والمستدرك على الصحيحين المؤلف : محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى ، 1411 – 1990 تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا عدد الأجزاء : 4 مع الكتاب : تعليقات الذهبي في التلخيص [ جزء 4 - صفحة 41 ] ذكر سراري رسول الله صلى الله عليه و سلم فأولهن مارية القبطية أم إبراهيم ح6821 والآحاد والمثاني المؤلف : أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني الناشر : دار الراية – الرياض الطبعة الأولى ، 1411 – 1991 تحقيق : د. باسم فيصل أحمد الجوابرة عدد الأجزاء : 6 [ جزء 5 - صفحة 447 ]ح 3124 و. (5) صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور. مسند أحمد بن حنبل: 6/221 (6) مسند الإمام أحمد: 6/147 (7) مسند أحمد بن حنبل: 6/115. (8) في سيرة أعلام النبلاءج 2 ص 209: وتأتي البقية تباعا


بحث : أسد الله الغالب

الانتربول يلقي القبض على الهارب عن وجه العدالة المجرم محمد الدايني في ماليزيا


إباء :وكالات

قالت مصادر مطلعة ان الشرطة الدولية ( الانتربول) قد القت القبض على الارهابي الطائفي محمد الدايني في ماليزيا. وبحسب المصادر فان اتصالات جرت اليوم الخميس بين الحكومتين العراقية والماليزية لتسليم الدايني للعراق . وكان الدايني قد هرب الى جهة مجهولة بعد إعادة الطائرة التي كانت تقله الى مطار بغداد ،بعد ان قرر مجلس النواب رفع الحصانة عنه لاتهامه بعدة قضايا تتعلق بدعم جهات إرهابية من بينها عملية تفجير كافتريا مجلس النواب التي راح ضحيتها النائب محمد عوض.



لعنة الله على هذا الناصبي اللعين
الحمد لله تحقق أملي في القبض على هذا الملعون وأتمنى إن شاء الله تتم معاقبته بالإعدام
قصاصاً لمن قُتلوا بيد هذا الحاقد

الخميس، أكتوبر 15، 2009

في اشارة خطيرة لتطور العلاقات السرية بين تل ابيب وابوظبي .. علم اسرائيل يرفع في دولة الامارات


إباء : نهرين نت

رغم تكتم حكومة الامارات على اتصالاتها مع الاسرائيليين وصلت الى حد التوقيع على اتفاقات مع شركات امنية اسرائيلية ، ورغم مابذلته للتكتم على مشاركة وفد اسرائيلي في مؤتمر احتضنته ابو ظبي ، الا ان وسائل الإعلام الإسرائيلية فضحت هذه المشاركة ونشرت صورة المندوبين الذين مثلا اسرائيل في اجتماع اللجنة الإدارية للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، الذي يعقد في إمارة أبو ظبي في دولة الإمارات.

وذكرت الصحف الإسرائيلية أن مشاركة إسرائيل في المؤتمر، تمثلت بعضوين هما سيمونا هلفرين من وزارة الخارجية، وإبراهم رافيف من وزارة البنى التحتية، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية مع دولة الإمارات.

وركزت الصحف على استقبال الوفد الإسرائيلي كعضو متساوٍ، وأن العلم الإسرائيلي رفع للمرة الأولى في مؤتمر في دولة الإمارات.

يذكر ان طيارين من سلاح الجو الاماراتي شاركوا مع طيارين اسرائيليين في تدريبات عسكرية في مناورات العلم الاحمر التي اقيمت في الولايات المتحدة في نهاية شهر ايلول سبتمبر الماضي ، وكانت حكومة ابو ظبي قد حاولت التكتم على هذه المشاركة العسكرية ذات الدلالات الخطيرة ، الا ان الصحافة الاسرائيلية والاميركي فضحت وكشفت عن هذا الخبر ايضا . فيما اكد مراقبون بان نشر هذه الصور سيسبب احراجا شديدا لحكومة دولة الامارات التي تتكنتم على تطور علاقاتها مع اسرائيل .

يذكر ان دولة الامارات وقعت عقودا امنية وعسكرية مع شركات يشرف عليها ضباط موساد وعسكريون اسرائيليون خلال السنتين الاخيرتين في مجالات تعاون امني واستراتيجي ، فيما يؤكد الاسرائيليون ان " الاماراتيين يشعرون برغبة كبيرة بانهم يحصلون من الاسرائيليين مايريدون خاصة وان حكومة ابو ظبي تتشدد يوما بعد يوم في علاقاتها مع طهران وتسعى الى بناء قوة عسكرية وامنية ذات قدرات عالية في المنطقة ".

ويعزو بعض المراقبين الى ان هذا التطور في العلاقة السرية بين الامارات واسرائيل وراء المشروع السري التي تنفذه اجهزة الامن الاماراتية بطرد الشيعة العراقيين واللبنانيين والغاء اقامات مئات الايرانيين وترحيل رجال اعمال ايرانيين ناشطين في الامارات وفصل مئات المدرسين الفلسطينيين من ابناء قطاع غزة وطردهم منها .


رابط الخبر


تعليقي :
مبروووووووووووووووووووووك
عليكم ياعرب التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني وعقبال كده لما تعلنوا دولكم مستعمرات صهيونية

الخامس والعشرون من شوال المكرم ذكرى شهادة الإمام الصادق عليه السلام




بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرت في الروايات المعتبرة انّ أبو العباس السفاح أوّل خلفاء بني العباس، طلب الإمام عليه السلام من المدينة إلى العراق ولكنه اخلى سبيله وأجازه بالذهاب إلى المدينة بعد ما رأى المعاجز الباهرة والآيات الظاهرة والعلوم الوافرة والأخلاق العالية ذلك من الإمام الهمام.

فلما وصل الامر إلى المنصور الدوانيقي أخ السفاح واطلع على كثرة الشيعة واتباع الامام الصادق عليه السلام دعاه إلى العراق وصمم على قتله خمس مرات أو أكثر لكنه كان ينصرف عن عزمه في كل مرّة بعد مشاهدة المعاجز العظيمة منه عليه السلام.



الدعاء المستجاب:

كما روى ابن بابويه وابن شهر آشوب وغيرهما انه: أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمد عليهما السلام ليقتله وطُرح له سيفاً ونطعاً وقال: يا ربيع إذا أنا كلمته ثم ضربت بإحدى يدي على الأخرى فاضرب عنقه، فلّما دخل جعفر بن محمد عليهما السلام ونظر إليه من بعيد تحرّك أبو جعفر على فراشه، قال: مرحباً وأهلاً بك يا أبا عبد الله ما أرسلنا اليك الاّ رجاء أن نقضي ذمامك.

ثم سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته، وقال: قد قضى الله حاجتك ودينك وأخرج جائزتك، يا ربيع لا تمضين ثلاثة حتى يرجع جعفر إلى أهله، فلما خرج قال له الربيع: يا أبا عبد الله رأيت السيف؟ انما كان وضع لك والنطع، فأي شيء رأيتك تحرّك به شفتيك؟ قال جعفر بن محمد عليه السلام: نعم يا ربيع، لما رأيت الشرّ في وجهه قلت: «حسبي الله الربّ من المربوبين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله لا اله الا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم».

وعلى رواية أخرى: انّ الربيع قال للمنصور: يا أمير المؤمنين لقد كنت من أشدّ الناس عليه غيظاً فما الذي أرضاك عنه؟ قال يا ربيع لما حضرت الباب رأيت تنّيناً عظيماً يقرض بأنيابه وهو يقول بألسنة الآدميين: إن أنت أشكت ابن رسول الله لأفصلن لحمك من عظمك، فأفزعني ذلك وفعلت ذلك وفعلت به ما رأيت.



ما أصحبك إلا قليلا:

روى السيد ابن طاووس رحمه الله: ان المنصور لما نزل الربذة وجعفر بن محمد عليهما السلام يومئذٍ بها، قال: من يعذرني من جعفر هذا... أما والله لأقتلنه، ثم التفت إلى إبراهيم بن جبلة قال يا بن جبلة قم إليه فضع في عنقه ثيابه ثم أئتني به سحباً.

قال إبراهيم: فخرجت حتى أتيت منزله فلم أصبه فطلبته في مسجد أبي ذر فوجدته في باب المسجد، قال: فاسحتييت أن أفعل ما أمرت به، فأخذت بكمه، فقلت له: أجب أمير المؤمنين، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون دعني أصلي ركعتين، ثم بكى بكاءاً شديداً وأنا خلفه، ثم قال: اللهم أنت ثقتي (للدعاء) ثم قال: اصنع ما أُمرت به.

فقلت والله إني لا أفعل ولو ظننت إني اُقتل، فأخذت بيده فذهبت به، لا والله ما أشك الاّ انّه يقتله، قال: فلما انتهيت إلى باب الستر قال: يا إله جبرئيل (الدعاء).

ثم قال إبراهيم: فلما أدخلته عليه، قال: فاستوى جالساً ثم أعاد عليه الكلام، فقال: قدمت رجلاً وأخرت أخرى اما والله لأقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت فارفق بي، فو الله لقلّ ما أصحبك، فقال له أبو جعفر: إنصرف، ثم التفت إلى عيسى بن علي فقال له:

يا أبا العباس الحقه فسله أبي؟ أم به؟ (يعني قولا الإمام عليه السلام: ما أصحبك بأن يموت هو أو أنا) فخرج يشتدّ حتى لحقه.

فقال: يا أبا عبد الله ان أمير المؤمنين يقول لك: أبك؟ أم به؟ فقال: لا بل بي، فقال أبو جعفر: صدق.

وروى أيضاً عن محمد بن الربيع الحاجب انه قال: قعد المنصور يوماً في قصره في القبة الخضراء وكانت قبل قتل محمد وإبراهيم تدعى الحمراء، وكان يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم يوم الذبح، وكان قد أشخص جعفر بن محمد عليهما السلام من المدينة فلم يزل الحمراء نهاره كلّه حتى جاء الليل ومضى أكثره.



خسران الآخرة:

قال: ثم دعا أبي الربيع فقال له: يا ربيع انك تعرف موضعك منّي وانّي يكون لي الخبر ولا تظهر عليه امّهات الأولاد وتكون أنت المعالج له، فقال: قلت يا أمير المؤمنين ذلك من فضل الله عليّ وفضل أمير المؤمنين وما فوقي في النصح غاية، قال: كذلك أنت، سر الساعة إلى جعفر بن محمد بن فاطمة عليهم صلوات الله وسلامه فائتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغيّر شيئاً ممّا هو عليه.

فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون هذا والله هو العطب، إن أتيت به على ما أراه من غضبه قتله وذهبت الآخرة، وإن لم آت به وادّهنت في أمره قتلني وقتل نسلي وأخذ أموالي، فخيرت بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي إلى الدنيا.

قال محمد بن الربيع: فدعاني أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلباً، فقال لي: امض إلى جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام فتسلق على حائطه ولا تستفتح عليه باباً فيغيّر بعض ما هو عليه ولكن انزل عليه نزلاً فأت به على الحال التي هو فيها، قال: فأتيته وقد ذهب الليل الا أقله، فأمرت بنصب السلاليم وتسلقت عليه الحائط فنزلت عليه داره، فوجدته قائماً يصلّي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلما سلم من صلاته قلت له: أجب أمير المؤمنين.

فقال: دعني أدعو وألبس ثيابي، فقلت له: ليس إلى ذلك سبيل، قال: وأدخل المغتسل فأتطهّر، قال: قلت: وليس الى ذلك سبيل فلا تشغل نفسك فإني لا ادعك تغير شيئاً، قال: فاخرجته حافياً حاسراً في قميصه ومنديله وكان قد جاوز عليه السلام السبعين.

فلما مضى بعض الطريق ضعف الشيخ فرحمته فقلت له: اركب،فركب بغل شاكري كان معنا ثم صرنا الى الربيع فسمعته وهويقول له: ويلك ياربيع قد أبطأ الرجل وجعل يستحثّه إستحثاثاً شديداً، فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد وهو بتلك الحال بكى.



ركعتان خفيفتان:

وكان الربيع يتشيّع، فقال له جعفر عليه السلام: ياربيع أنا أعرف ميلك إلينا فدعني أصلي ركعتين وأدعو، قال: شأنك وما تشاء، فصلى ركعتين حففهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه الّا أنه دعاء طويل والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع، فلما فرغ من دعائه على طوله أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما صار في صحن الإيوان وقف ثم حرّك شفتيه بشيء لم أدر ماهو، ثم أدخلته، فوقف بين يديه.

فلما نظر إليه قال: وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وإفسادك على أهل البيت من بني العباس وما يزيدك الله بذلك إلا شدّة حسد ونكد ما يبلغ به ماتقدره.

فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً من هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر فو الله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني سوء مع جفائهم الذي كان لي، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟ وأنت ابن عمي وأمسّ الخلق بي رحماً وأكثرهم عطاء وبراً فكيف أفعل هذا؟



إتهام باطل:

فأطرق المنصور ساعة وكان على لبد وعن يساره مرفقه جرمقانية وتحت لبده سيف ذو فقار كان لا يفارقه إذا قعد في القبة، قال: أبطلت وأثمت، ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه وقال: هذه كتبك الى أهل خراسان تدعوهم الى نقض بيعتي وأن يبايعوك دوني، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحل ذلك ولا هو من مذهبي وإني لمن يعتقد طاعتك على كل حال وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته، فصيرني في بعض جيوشك حتى يأتيني الموت فهو مني قريب، فقال: لا كرامة، ثمّ أطرق وضرب يده إلى السيف فسل منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم رد السيف وقال: يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصا المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء.

فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي، فانتضى من السيف ذراعاً، فقلت: إنا لله مضى الرجل وجعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه لأنني ظننت انه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفراً فقلت: إن أمرني ضربت أبو جعفر الدوانيقي وإن أتى عليّ وعلى ولدي، وتبت إلى الله عز وجل مما كنت نويت فيه أولاً، فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر، ثم انتضى السيف الا شيئاً يسيراً منه فقلت إنا لله مضى والله الرجل، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال: أضنك صادقاً، ياربيع هات العيبة من موضع كانت فيه القبّة، فأتيته بها، فقال: أدخل يدك فيها، فكانت مملوءة غالية، وضعها في لحيته وكانت بيضاء فسودّت، وقال لي: إحمله على فارة من دوابي التي أركبها وأعطه عشرة آلاف درهم، وشيعه الى منزله مكرّماً وخيّره إذا أتيت به الى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه والإنصراف الى مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله.



الفرج السريع :

فخرجنا منه وأنا مسرور وفرح بسلامة جعفر عليه السلام ومتعجب مما أراد المنصور وما صار إليه من أمره فلمّا صرنا في الصحن قلت له: يا ابن رسول الله إني لأعجب مما عمد إليه هذا في بابك وما أصارك الله إليه من كفايته ودفاعه ولا عجب من أمر الله عزوجل وقد سمعتك تدعو في عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو إلا انه طويل ورأيتك قد حرّكت شفتيك ها هنا ـ أعني الصحن ـ بشيء لم أدر ما هو.

فقال لي: أما الأول فدعاء الكرب والشدائد لم أدع به على أحد قبل يومئذ، جعلته عوضاً من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي لأني لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به، وأما الذي حرّكت به شفتي فهو دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الأحزاب ثم ذكر الدعاء.

ثم قال لولا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت لك هذا المال ولكن قد كنتَ طلبت مني أرضي بالمدينة وأعطيتني بها عشرة آلاف دينار فلم أبعك وقد وهبتها لك، قلت، يا ابن رسول الله انما رغبتي بالدعاء الأول والثاني وإذا فعلت هذا فهو البرّ ولا حاجة لي الآن في الأرض، فقال: انّا أهل بيت لا نرجع في معروفنا، نحن ننسخك الدعاء ونسلّم إليك الأرض،...وأملى عليّ دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأملى عليّ الذي دعاه بعد الركعتين.

قال: فقلت: يا بن رسول الله لقد كثر إستحثاث المنصور واستعجاله إيّاي وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهّلاً كأنك لم تخشه؟ قال: فقال لي: نعم كنت أدعو به بعد صلاة الفجر بدعاء لا بد منه، فأما الركعتان فهما صلاة الغداة خففتهما ودعوت بهذا الدعاء بعدهما، فقلت له: أما خفت يا أبا جعفر وقد أعد لك ما أعد؟! قال: خيفة الله دون خيفته وكان الله عز وجل في صدري أعظم منه.



الربيع يستفهم الدوانيقي:

قال الربيع: كان في قلبي ما رأيت من المنصور من غضبه وحنقه على جعفر ومن الجلالة له في ساعة ما لم أضنه يكون في بشر، فلما وجدت منه خلوة وطيب نفس، قلت: يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضباً لم أرك غضبته على أحد قطّ ولا على عبد الله بن الحسن ولا على غيره من كل الناس حتى بلغ الامر ان تقتله بالسيف وحتى أنك أخرجت من سيفك شبراً ثم أغمدته ثم عاتبته ثم أخرجت منه ذراعاً ثم عاتبته ثم أخرجت كله إلا شيئاً يسيراً فلم أشك في قتلك له، ثم إنجلى ذلك كله فعاد رضى حتى أمرتني فسوّت لحيته بالغالية التي لا يتغلف منها إلا أنت ولا يغلف منها ولدك المهدي ولا من ولّيته عهدك ولا عمومتك وأجزته وحملته وأمرتني بتشييعه مكرماً.



هؤلاء بني فاطمة:

فقال: ويحك يا ربيع ليس هو كما ينبغي أن تحدث به وستره أولى ولا أحب أن يبلغ ولد فاطمة فيفتخرون ويتيهون بذلك علينا، حسبنا ما نحن فيه ولكن لا أكتمك شيئاً أنظر من في الدار فنحهم، قال فنحيت كل من في الدار، ثم قال لي: إرجع ولا تبق إحداً، ففعلت، ثم قال لي: ليس إلا أنا والله وأنت لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد لأقتلنك وولدك وأهلك أجمعين ولآخذنّ مالك.

قال: قلت يا أمير المؤمنين أُعيذك بالله، قال: يا ربيع كنت مصراً على قتل حعفر وأنا لا أسمع له قولاً ولا أقبل له عذراً وكان أمره وإن كان ممن لا يخرج بسيف أغلض عندي وأهم عليّ من أمر عبد الله بن الحسن، فقد كنت أعلم منه ومن آبائه على عهد بني أمية، فلما هممت به في المرة الأولى تمثل لي رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو حال بيني وبينه باسط كفّيه حاسر عن ذراعيه قد عبس وقطّب في وجهي عنه. ثم هممت به في المرة الثانية وأنتضيت من السيف أكثر منما إنتضيت به في المرة الأولى فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد قرب مني ودنا شديداً وهم لي أن لو فعلت لفعل، فامسكت ثم تجاسرت وقلت: هذا بعض أفعال الرَّئِي (الجني يراه الإنسان) ثم إنتضيت السيف في الثالثة فتمثل لي رسول الله صلى الله عليه وآله باسطاً ذراعيه قد تشمر واحمر وعبس وقطب حتى كاد أن يضع يده عليّ، فخفت والله لو فعلت فعل وكان مني ما رأيت، وهؤلاء بني فاطمة صلوات الله عليهم لا يجهل حقهم إلا جاهل لا حظَّ له في الشريعة فإياك أن يسمع هذا منك أحد.

قال محمد بن الربيع: فما حدثني به أبي حتى مات، وما حدّثت أنا به حتى مات المهدي وهارون وقُتل محمد الأمين.



صفوان يروي:

وروي أيضاً بسندٍ معتبر عن صفوان بن مهران الجمال أنه قال: رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم الى أبي جعفر الدوانيقي وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم إبني عبد الله بن الحسن، إن جعفر بن محمد بعث مولاه المعلّى بن خنيس بجباية الأموال من شيعته وإنه كان يمد بها محمد بن عبد الله، فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر غيضاً، وكتب الى عمّه داوُد، وداود أذ ذاك أمير المدينة أن يسيّر إليه جعفر بن محمد ولا يرخص له في التّلوم والمقام.

فبعث إليه داود بكتاب المقام وقال: اعمل في المسير الى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر، قال صفوان: وكنت في المدينة يومئذٍ فأنفذ إلي جعفر عليه السلام فصرت إليه فقال لي: تعهّد راحلتنا فإنا غادون في غد إن شاء الله الى العراق، ونهض من وقته وأنا معه الى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وكان ذلك بين الأولى والعصر، فركع فيه ركعات فحفظت منه يومئذٍ من دعائه: يا من ليس له إبتداء (الدعاء).

قال صفوان: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام بأن يعيد الدعاء عليّ فاعاده وكتبته، فلما أصبح أبو عبد الله عليه السلام رحّلت له الناقة، وسار متوجهاً الى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر واقبل حتى إستأذن فأذن له.



الإمام في بغداد:

قال صفوان: فاخبرني بعض من شهد أبي جعفر، قال: فلما رآه أبو جعفر قرِّبه وأدناه، ثم استدعا قصة الرافع على أبي عبد الله عليه السلام يقول في قصته: انّ معلّى بن خنيس مولى جعفر بن محمد يجبي له الأموال.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين، قال له: تحلف على براءتك من ذلك؟ قال: نعم أحلف بالله ما كان من ذلك شيء، قال أبو جعفر: لا بل تحلف بالطلاق والعتاق، فقال أبو عبد الله: أما ترضى يميني بالله الذي لا إله إلا هو؟ قال أبو جعفر: فلاتفقّه عليّ، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فاين يذهب بالفقه منّي يا أمير المؤمنين.

فقال: دع عنك هذا فإني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك حتى يواجهك، فاتو بالرجل وسألوه بحضرة جعفر عليه السلام: فقال نعم هذا صحيح وهذا جعفر بن محمد والذي قلت فيه كما قلت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: تحلف أيها الرجل أن هذا الذي رفعته صحيح؟ قال: نعم، ثم إبتدأ الرجل باليمين، فقال والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالي الحي القيوم.

فقال له جعفر: لا تعجل في يمينك فإني أنا أستحلف، قال المنصور: وما أنكرت من هذا اليمين؟ قال: أن الله تعالى حي ّ كريم يستحي من عبده إذا أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له، ولكن قل أيها الرجل: أبرأ الى الله من حوله وقوته وألجأ الى حولي وقوّتي إني لصادق برٌّ فيما أقول.

فقال المنصور للقرشي: إحلف بما إستحلفك به أبا عبد الله، فحلف الرجل بهذا اليمين، فلم يستتم الكلام حتى إجذم وخرَّ ميتاً، فراع أبا جعفر ذلك وإرتعدت فرائصه، فقال: يا أبا عبد الله سر من غد الى حرم جدّك إن اخترت ذلك، وأن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرّك، فو الله لا قبلتُ عليك قول أحد بعدها أبداً.



رواية الإسكندري:

وروى أيضاً عن محمد بن عبيد الله الاسكندري أنه قال: كنت من جملة ندماء أمير المؤمنين المنصور أبي جعفر وخواصه وكنت صاحب سرّه من بين الجميع، فدخلت عليه يوماً فرأيته مغتماً وهو يتنفس نفساً بارداً، فقلت: ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين، فقال لي: يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة وقد بقي سيّدهم وإمامهم.

فقلت له: من ذلك؟ قال: جعفر بن محمد الصادق، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه رجل أنحلته العبادة واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة، فقال: يا محمد وقد علمت أنك تقول به وبإمامته ولكن الملك عقيم، وقد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيتي هذه أو أفرغ منه.

قال محمد: والله لقد ضاقت عليّ الأرض برحبها ثم دعا سيافاً وقال له: إذا أنا أحضرت أبا عبد الله الصادق وشغلته بالحديث ووضعت قلّنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني وبينك فأضرب عنقه، ثم أحضر أبا عبد الله عليه السلام في تلك الساعة ولحقته في الدار وهو يحرّك شفتيه فلم أدر ما الذي قرأ فرأيت القصر يموج كأنه سفينة في لجج البحار، فرأيت أبا جعفر المنصور وهو يمشي بين يديه حافي القدمين مكشوف الرأس، قد إصطكت أسنانه وأرتعدت فرائصه، يحمرّ ساعة ويصفرّ أخرى، وأخذ بعضد أبي عبد الله الصادق عليه السلام وأجلسه على سرير ملكه، وجثا بين يديه كما يجثو العبد بين يدي مولاه.

ثم قال له: يا ابن رسول لاالله ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئتك يا أمير المؤمنين طاعة لله عزوجل ولرسول الله صلى الله عليه وآله ولأمير المؤمنين أدام الله عزّه، قال: ما دعوتك والغلط من الرسول، ثم قال: سل حاجتك، أسألك أن لا تدعوني لغير شغل.

قال: لك ذلك وغير ذلك.



البرهان الخلي:

ثم انصرف أبو عبد الله عليه السلام سريعاً وحمدت الله عز وجل كثيراً ودعا أبو جعفر المنصور الدوايج (ضرب من الثياب) ونام ولم ينتبه إلا في نصف الليل، فلما إنتبه كنت عند رأسه جالساً فسرّه ذلك، وقال لي: لا تخرج حتى أقضي ما فاتني من صلاتي فأحدثك بحديث، فلما قضى صلاته أقبل عليّ وقال لي: لمّا أحضرت إلي أبا عبد الله الصادق وهممت به ما هممت من السوء رأيت تنيناًَ قد حوى بذنبه جميع داري وقصري وقد وضع شفتيه العليا في أعلاه والسفلى في أسفلها وهو يكلمني بلسان طلق، ذلق، عربيّ، مبين:

«يا منصور أن الله تعالى جده قد بعثني إليك وأمرني إن أنت أحدثت في أبي عبد الله الصادق عليه السلام حدثاً فأنا أبتلعك ومن في دارك جميعاً»

فطار عقلي وأرتعدت فرائصي وأصطكّت أسناني.

قال محمد بن عبد الله الأسكندري: فقلت له: ليس هذا بعجيب يا أمير المؤمنين وعنده من الأسماء وسائر الدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار، ولو قرأها على النهار لأظلم، ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت، قال محمد: فقلت له بعد أيام: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أخرج لزيارة أبي عبد الله الصادق؟ فأجاب ولم يأب، فدخلت على أبي عبد الله وسلّمت وقلت له: أسألك يا مولاي بحق جدك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أن تعلمني الدعاء الذي تقرأه عند دخولك الى أبي جعفر المنصور، قال: لك ذلك، ثم علّمه عليه السلام الدعاء.



الأيام الأخيرة:

توفى الإمام الصادق عليه السلام في شهر شوال سنة 184هـ بالعنب المسموم الذي أطعمه به المنصور، وكان عمره الشريف حين إستشهاده خمساً وستين سنة، وروى الشيخ الطوسي وكذلك (الكليني) عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام إنّها قالت: كنت عند أبي الله عليه السلام حين حضرته الوفاة فأغمي عليه أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي بن الحسين ـ وهو الأفطس ـ ديناراً وأعطوا فلاناً كذا وكذا وفلاناً كذا وكذا، فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة؟ فقال: ويحك أما تقرئين القرآن؟ قلت: بلى، قال: أما سمعت قول الله عزوجل: «والذي يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب».

فقال: أتريدين على أن لا أكون من الذين قال الله تبارك وتعالى(الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) نعم يا سالمة ان الله خلق الجنة وطيبها وطيب ريحها لتوجد من مسيرة ألفي عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم.

روى الشيخ الكليني عن الامام موسى الكاظم عليه السلام انه قال: أنا كفنت أبي في ثوبين شطويين(مصريين) كان يحرم فيهما، وفي قميص من قمصه، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين عليه السلام وفي برد اشتراه بأربعين ديناراُ.



حين الوفاة:

وروى أيضاً انه لما قبض أبو جعفر عليه السلام أمر أبو عبد الله عليه السلام بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبد الله عليه السلام ثم أمر أبو الحسن عليه السلام بمثل ذلك في بيت أبي عبد الله عليه السلام.

وروى الشيخ الصدوق عن أبي بصير انه قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عليه السلام عند الموت لرأيت عجباً فتح عينيه ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابه.

قالت: فلم نترك أحداً الاجمعناه، قالت: فنظر اليهم ثم قال: ان شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة.



بقيع الغرقد:

وروي عن عيسى بن داب انه قال: لما حمل أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام على سريره وأخرج إلى البقيع ليدفن قال أبو هريره(العجلي من شعراء أهل البيت المهاجرين هذه الأبيات):

أقــول وقد راحوا بـه يحملونه عـلى كـاهل من حامليه وعاتق

أتـدرون مـاذا تحـملون إلى الثرى ثبيراً ثوى مـن رأس علياء شاهق

غداة حثا الحاثـون فـوق ضريحه تراباً وأولى كـان فـوق المـفارق

قال المسعودي: دفن الصادق عليه السلام بالبقيع عند أبيه وجده وكان عمره خمساً وستين سنة وقيل انه مات مسموماً وعند قبورهم بالبقيع حجر مرمر مكتوب عليه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله مبيد الأمم ومحيي الرمم هذا قبر فاطمة بنت رسول الله صلى عليه وآله سيدة نساء العالمين وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي وجعفر بن محمد رضي الله عنهم»، وأقول صلوت الله عليهم أجمعين.

روي عن داود الرقي وفد من خرسان وافد يكنى أبا جعفر واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة فنزل وزار أمير المؤمنين عليه السلام ورأى في ناحية رجلاً حوله جماعة، فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء ويسمعون من الشيخ.



الثمالي والنبأ المفجع:

فسألهم عنه، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي، قال: فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي، فقال: جئت من المدينة وقد مات جعفر بن محمد عليه السلام فشهق أبو حمزة ثم ضرب بيده الأرض، ثم سأل الاعرابي هل سمعت له بوصية؟ قال: أوصي إلى ابنه عبد الله وإلى ابنه موسى وإلى المنصور.

فقال أبو حمزة الحمد الله الذي لم يضلنا، دل عل الصغير، ومن علي الكبير، وستر الأمر العظيم، ووثب إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام فصلى وصلينا، ثم أقبلت عليه وقلت له: فسر لي ما قلته؟ فقال: بين أن الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير بأن أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم بالمنصور حتى إذا سأل من وصيه؟ قيل: أنت.



النبأ يصل بغداد:

روى الشيخ الكليني والطوسي وابن شهر آشوب(واللفظ للكليني) عن أبي أيوب النحوي انه قال: بعث الي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فد خلت عليه وهو جالس علي كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب الي وهو يبكي.

فقال لي: هذا محمد بن سليمان يخبرنا ان جعفر بن محمد قد مات، فانا الله ونا اليه راجعون ـ ثلاثاُ ـ وأين مثل جعفر؟

ثم قال لي: اكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: أكتب إن كان أوصي إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه قال: فرجع إليه الجواب انه قد أوصى إلى خمسة وأحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة.

قال العلامة المجلسي رحمه الله: كان الامام عليه السلام يعلم بعلم الامامة ان المنصور سيقتل وصيه فأشرك هؤلاء النفر ظاهراً فكتب اسم المنصور اولاً لكن الامام موسى بن جعفر عليه السلام هو الذي كان مخصوصاً بالوصية دونهم وكان أهل العلم يعرفون ذلك كما مضى في رواية أبي حمزة الثمالي.

والحمد لله رب العالمين..

مكتب المرجع الشيرازي يدين تفجيرات كربلاء المقدسة ليلة استشهاد الإمام الصادق عليه السلام




اثر التفجيرات الإرهابية الثلاث التي استهدفت المؤمنين الآمنين العزل في مدينة كربلاء المقدسة بتاريخ الأربعاء الرابع والعشرين من شهر شوال المكرم 1430هـ الموافق 14/10/2009م والتي أدت إلى استشهاد وجرح العشرات من الأبرياء، أصدر مكتب المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف في كربلاء المقدسة بياناً استنكر فيه وأدان هذه الجرائم الإرهابية البشعة وفيما يلي نص البيان:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

«وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا» النساء:93

كربلاء المقدسة حرم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وقد ورد في الأثر الشريف عن إمامنا الصادق عليه السلام: «حرم قبر الحسين عليه السلام خمسة فراسخ من أربعة جوانب القبر» كامل الزيارات ص272.

ان انتهاك حرمة هذا الحرم المقدس بقتل وجرح العشرات من الأبرياء بتاريخ الأربعاء الرابع والعشرين من شوال 1430هـ ليصدح بالحق كون الظالمون المجرمون حاملي الحقد الدفين مصممين بعزم لا هوادة فيه استهداف شيعة أهل بيت النبوة والرسالة ومختلف الملائكة وزرع الفتن وزعزعة الأمن.

ندين هذه الأعمال الوحشية مشددين على الجهات المختصة والمسؤولة وضع خطة أمنية مناسبة لمدينة كربلاء الإمام الحسين عليه السلام والمدن الأخرى ووضع الآلية المناسبة وبدقة عالية للحيلولة دون تكرار مثل هذه الجرائم.

كما ونؤكد على ضرورة التحقيق في هذه الاختراقات المتلاحقة والوقوف على المسبَّبين والمقصِّرين ومعاقبتهم وتفعيل دور القضاء أكثر وتعويض المتضررين من هذه الأحداث، في الوقت الذي نعزِّي فيه ولي الله الأعظم الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه بهذا المصاب نتضرع الى الله سبحانه ان يتغمد الشهداء السعداء بواسع رحمته وان يحشرهم مع الإمام الحسين وأصحابه عليهم السلام وان يلهم ذويهم الصبر والسلوان وان يعجل شفاء الجرحى انه سميع مجيب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

24/شوال المكرم/1430 هـ

مكتب المرجع الديني آية الله العظمى

السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله

كربلاء المقدسة

الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

حقائق عن فساد الدين الأيوبي لعنة الله عليه ج2

صلاح الدين الأيوبي بين الخيانة والغدر والإدمان على الخمر
الأستاذ إبراهيم محمد جواد


بعد أن انتهيت من إعداد الدراسة التاريخية عن صلاح الدين الأيوبي، وجدت أنه لا تزال هناك بعض الملاحظات الهامة، التي لا ينبغي إغفالها لمن يريد أن يستكمل الصورة الحقيقية لهذه الأسطورة، التي ألبسوها ثوب البطولة زوراً وبهتاناً، فكان لابد من هذا التذييل.

خيانة صلاح الدين وغدره بأولياء نعمته
أولاً- خيانته للخليفة الفاطمي العاضد:

يقول السيد حسن الأمين: (في عام 564هـ كان الصليبيون يهددون مصر (الفاطمية) ويتحفزون للوثوب عليها، بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هنا مكان سرد تفاصيلها، فرأى الخليفة الفاطمي (العاضد)، أن لا قبل لمصر بمدافعة الصليبيين، لكثافة قواهم وتفوقها على القوى المصرية، فتجلّت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبين الآخرين من أوتار، وتجاهل ما يحملونه له من عداوة، وأغضى عما طالما بيتوه له ولأسرته من تآمر، وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر، مهما كان في هذا الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته.

ورأى أن أقرب القوى إليه هي في الشام، وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكان الصليبيون زحفوا على عسقلان، حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق مدينة الفسطاط المتصلة بالقاهرة، خوفاً عليها من الصليبيين، فأحرقت وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، ولعوامل عديدة، فك الصليبيون الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا، ولكن الخطر مازال جاثماً، فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين، وأرسل في كتب الاستنجاد شعور النساء وقال له: (هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج)(1).

ولم يكتفِ، بل بذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره، وأن يقطعه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين.

فقرر نور الدين تلبية الطلب، فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس، بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، ... وجاءت الحملة إلى مصر حيث لقيت ترحيباً وابتهاجاً، وفعل العاضد أكثر من الترحيب، فأناط الحكم بأسد الدين شيركوه وجعله وزيراً له، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة، وتطلع إلى الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين، وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين.

يقول أبو شامة في كتابه (الروضتين): (فأرسل الخليفة (العاضد) إلى صلاح الدين، فأمره بالحضور إلى قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمّه).(2)

وهكذا أمدّ الخليفة (العاضد) وزيره صلاح الدين بالقوة، ووضع في يده أسبابها، ومكّن له في الحكم، استعداداً للدفاع في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الكرّة على مصر، ثم للهجوم عليهم فيما احتلوه من بلاد، وقد صحّ ما توقعه (العاضد)، فقد وصل الصليبيون في ربيع الأول سنة 565هـ.

يقول المقريزي: (فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليها زيادة على 550 ألف دينار، فأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوماً، وكانت صعبة شديدة ...إلى أن رحل الصليبيون عن دمياط ...، يضيف المقريزي: (وكان صلاح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدة إقامة الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها)(3).

ويقول يحيى بن أبي طي الحلبي، في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين، واصفاً المدى الذي بلغته محبة العاضد لصلاح الدين: (وبلغ من محبته له، أنه كان يدخل إلى القصر راكباً، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة، لا يُعلَمُ أين مقرّه... وحكّمه في ماله وبلاده، فحسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام)(4).

ويقول صاحب كتاب (الروضتين): (إن العاضد أحب صلاح الدين محبة عظيمة)، ويقول عنه في مكان آخر، أنه لما تولى صلاح الدين الوزارة، مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبلاده)(5).

ولم يترك (العاضد) وسيلة تشيد بصلاح الدين، وترفع من شأنه وتزيد في تكريمه إلاّ اتّبعها، من ذلك أنه لما ارتحل (نجم الدين أيوب) والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته، وسار إلى القاهرة، ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به، وخلع العاضد عليه ولقّبه (الملك الأفضل)، وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا، كما يقول ابن أبي طي في كتابه السابق الذكر(6).

فكيف تُرى خلفه صلاح الدين في ماله وبلاده؟.. وكيف قابل نجم الدين كرمه وأريحيته وحسن استقباله؟!. لقد كان (العاضد) في وادٍ، وصلاح الدين وأبوه نجم الدين في واد آخر، ووطنية العاضد التي جعلته يستنجد بهم، ويضع سلطته وبلاده تحت تصرفهم، لم تمنعهم من التآمر عليه وعلى دولته.

كانت الخطة قد وضعت قديماً في الشام، بين نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، وصلاح الدين ونجم الدين عالمان بها، وذلك بأن تكون النجدة لا لإنقاذ البلاد مـن الصليبيين، بل للقضاء علـى العاضد ودولته، واستغلال الخطر الصليبي على مصر، وانشغال العاضد به لتنفيذها.

وهكذا يكون العاضد ودولته قد نكبا، وراحا ضحية مطامع نور الدين زنكي، وخيانات صلاح الدين وأبيه من طرف، ومن طرف آخر، إخلاص العاضد للإسلام، ووطنيته تجاه بلده مصر، وإيثاره الاستنجاد بإخوته المسلمين، بدلاً من التفاوض مع الصليبيين والرضوخ إلى ابتزازهم والنزول عند شروطهم، كما فعل صلاح الدين، وكثير غيره من الحكام والسلاطين المسلمين.

يقول المقريزي عن صلاح الدين: (واستبدّ بالأمور، ومنع العاضد من التصرف، ثم يقول: وصلاح الدين يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من القصر البتة)(7).

والأنكى من ذلك، أن صلاح الدين الذي كان يتحدث عن كرم العاضد وحسن رفادته وضيافته، قد قابل كرم العاضد وحبه الشديد له بالجحود والنكران، فيقول المقريزي: وعاد فكثر القول عن صلاح الدين وأصحابه في ذم العاضد(8).

يقول أبو شامة في الروضتين: (إن صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد - وهو الخليفة بها -، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك الفاضل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً... واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة لـه، فاستشار الأمراء، كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم مـن أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلاّ أنه لم يمكنه إلاّ امتثال أمر نور الدين، وكان قد دخل مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا ابتدئ به(9).

وهكذا، فبعد انقضاء سنتين فقط على وصول شيركوه وصلاح الدين إلى مصر، كافأوا العاضد بالقضاء عليه وعلى دولته، ولم تدخل سنة 567هـ حتى (استفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في مصر لبني العباس)، كما يقول صاحب كتاب (الروضتين)، والخليفة العاضد لا يزال حياً(10).

ثانياً - خيانته لولي نعمته نور الدين:

كان نور الدين زنكي قد عزم على التخلص من الصليبيين والقضاء عليهم، وبنى خطته على أن يزحف هو من الشام، ويزحف صلاح الدين من مصر، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين، وسار صلاح الدين كما يقول ابن العديم في الجزء الثاني من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب): (فنازل حصن الشوبك وحصره... فلما سمع نور الدين بذلك، سار من دمشق ليدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر صلاح الدين، إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب، ملك بلاد الإفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت هاهنا، فلا بد من الاجتماع به، ويبقى هو المتحكم فيك يما يشاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك إلى مصر)(11).

ولزيادة البيان، ورفع بعض اللبس في النص المتقدم، فقد كرر ابن العديم الرواية في مكان آخر قائلاً: (واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهة، وتواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال الإفرنج، وأيهما سبق أقام للآخر منتظراً أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك فحصره، وسار نور الدين فوصل الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر)(12).

ويبدو جلياً أن صلاح الدين لم يتوقع النصر السريع على الصليبيين، لذلك زحف متجهاً إلى الكرك، فلما بدت طلائع النصر نكص على عقبيه، مؤثراً الاحتماء من نور الدين بالصليبيين، على معاضدة نور الدين عليهم، فاضطر نور الدين إلى الرجوع غاضباً على صلاح الدين، لإخلاله بخطة نور الدين التي كانا قد اتفقا عليها.

ولم يكن نور الدين بالذي يفوته قصد صلاح الدين من نكوصه عن تنفيذ ذلك الاتفاق، فعزم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه، كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم، ونكتفي هنا بنص أبي شامة إذ يقول: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر، لأخذها من صلاح الدين، لأنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر، فإنه- صلاح الدين - كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، ولا يؤثر استئصالهم)(13).

ويتابع أبو شامة كلامه قائلاً: وكان نور الدين لا يرى إلاّ الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه، تجهز بالسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يُرَد)(14)، ولولا الموت الذي وافى نور الدين قبل تنفيذ عزمه، لكان تم تأديب صلاح الدين على يديه، وأقل ما كان يناله منه هو القتل، لأنه هو وحده جزاء من يحتمي بأعداء الأمة.



ثالثاً- خيانته للخليفة الناصر العباسي:

كان الخليفة العباسي الناصر، قد تخلص في بغداد من سيطرة السلاجقة، واستقلّ عنهم برقعة كبيرة من الأرض الإسلامية، وكما يقول ابن كثير (استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة والخليفة على الملوك والممالك)(15) ، ولقد بنى فيها جيشاً قوياً، وعزم على أن يرسل جيشه هذا إلى فلسطين، للتعاون مع جيش صلاح الدين على تحرير ما لم يتحرر من الأرض الإسلامية من الصليبيين، فأرسل يستأذن صلاح الدين، فرفض قدوم جيش الخلافة، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له.

ويصف العماد الموقف بعد ذلك بقوله: (ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقاً، وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقاً، واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل، وقالوا: هذا – أي صلاح الدين - يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة، وأنه يُنعَت بالملك الناصر، نعتَ الإمام الناصر، و يُدِلُّ بماله من القوة العسكرية)(16)"، ويبدو أن تلك السعايات لم تنبت من فراغ، فقد كان صلاح الدين يمنّ في مجالسه الخاصة على الخليفة العباسي بقضائه على الدولة الفاطمية، وربما كان يلوّح بالقوة والغلبة، وما إلى ذلك مما نقله السعاة لإثارة حفيظة الخليفة على صلاح الدين.

ولما بلغ الخليفة هذا الرفض، مع كل ما نقل إليه عن صلاح الدين، أرسل مبعوثاً وصل في شهر شوال من سنة 583هـ - أي بعد فتح القدس بثلاثة أشهر فقط - مع رسالة شديدة اللهجة، مملوءة بالتعنيف لصلاح الدين(17)، فتظاهر هذا بالسكوت، ولكنه راح يعرض الرسالة على من سماهم (أكابر القوم)، ونجح أسلوب صلاح الدين كما يقول العماد، في دفع أولئك الأكابر إلى نقد تلك الرسالة بعنف مماثل، وإلى تحريض صلاح الدين على التمرد على الخليفة، وهذا هو عين ما كان يبيته صلاح الدين في نفسه ويمهد له، ليكون هؤلاء مستعدين بل متحمسين لقتال جيش الخليفة إذا جاء إلى فلسطين.

ورأى صلاح الدين أن من الحكمة أن يؤخر الصدام بالخليفة، وأن لا يعجّل باستفزازه قبل أن يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وبادر على الفور إلى التفاوض سراً مع الصليبيين

لعقد هدنة تنهي الحروب بينهما، وتتيح له التحالف معهم لقتال العدو المشترك (خليفة المسلمين) الذي لم تكن يومئذ خلافة شرعية لسواه.

وغني عن البيان أن هذه الخيانات الثلاث: للخليفة الفاطمي (العاضد)، والخليفة العباسي ( الناصر)، والسلطان الأيوبي (نور الدين زنكي)، تعتبر خيانة عظمى للإسلام والمسلمين في ذلك الحين، عدا عن أن مجرد وقف الحرب ضد الصليبيين قبل إخراجهم من بلاد المسلمين، وتحريرها من نير سلطانهم واحتلالهم الغاشم، يعتبر بحد ذاته خيانة عظمى لا جزاء لها إلاّ القتل، فكيف بالتحالف معهم ضد المسلمين وخليفتهم الشرعي؟!.

عنف صلاح الدين وبطشه

ما أن قويت سلطة صلاح الدين على الخليفة الفاطمي العاضد، واستتبّ له الأمر في مصر بعد التآمر عليه وقطع الخطبة له وإقامتها لبني العباس، حتى أقدم صلاح الدين على جريمة لم يسبق لحاكم أن أقدم على مثلها أبداً، حتى في أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً(18)، (فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر، ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا...) يقول العماد: (وهم إلى الآن محصورون محسّرون لم يظهروا)(19)، ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم، وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين، ومن ذلك ما قاله العماد الأصفهاني في قصيدة بذيئة طويلة:

عاد حريم الأعداء منتهك الحمى وفيء الطغــاة مقتَسَمـــا

ثم عمد صلاح الدين إلى المذهب الجعفري فأبطله وحرّم تدريسه ومنع الناس من العمل به، ومال على أشياعه وأتباعه فأوقع فيهم القتل والحرق والتشريد، وقد وصف عبد الرحيم بن علي البيساني قاضي صلاح الدين، الملقب بالقاضي الفاضل، ولم يكن في الواقع فاضلاً، بل كان من الوصوليين الانتهازيين المنافقين، عبيد كل سلطة، وعملاء كل حكومة، وصف وضع الشيعة بعد العاضد بقوله: (... والمَذَلَّة في شيع الضلال شائعة، ومُزِّقوا كل ممزَّق، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً)(20).

ومن الذين قتلهم صلاح الدين، وحفظ لنا التاريخ أسماءهم رغم كل محاولات الطمس والإخفاء، الشاعر عمارة اليمني، الذي عاش في مصر وأدرك أواخر الدولة الفاطمية، ورغم أنه لم يكن على مذهب الفاطميين، ولكنه كان منصفاً مخلصاً للحق، معترفاً بالفضل لأهله، وحيث أنه رأى بأم عينيه فضائل الفاطميين ومحاسنهم، ولمس بنفسه مخازي الأيوبيين ومساوئهم، وما ارتكبوه فيهم من جرائم، فرثى الدولة الفاطمية أشجى رثاء في قصيدته اللامية التي مطلعها:

رميتَ يا دهرُ كفَّ المجدِ بالشللِ وجيدَه بعد حسن الحَلْيِ ِ بالعطَلِ

وختمها بقوله:

والله مازِلتُ عن حبي لهم أبـداً ما أخّرَ اللهُ لي في مدة الأجـــلِ(21)

وبسبب هذه القصيدة الصادقة، قُتِلَ هذا الشاعر الفاضل الوفي يرحمه الله، الذي طبع على النبل والوفاء، وتُمُحلت له الذنوب(22).

وفي موقف آخر، اتفق أن اجتمع هذا الشاعر الوفي،عند نجم الدين أيوب – والد صلاح الدين - مع شاعر آخر، هو أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصيبة، في قصر اللؤلؤة الذي كان يقيم فيه، وكان من أحسن قصور الفاطميين، فأنشد ابن أبي حصيبة نجم الدين قصيدة منها:

يا مالك الأرض لا أرضى لها طرفاً منها وما كان منها لم يكن طرفــــا

قـد عجّل الله هذي الدار تسكنهــــا وقـد أُعدّت لك الجنات والغرفـــــا

تشرفت بـك عمـن كان يسكنهــــــا فالبس بها العز ولتلبس بك الشرفا

كانوا بها صَـدفاً والـدار لؤلـــــــؤةٌ وأنت لؤلؤةٌ صـارت لها صـَدفــــــا

فعزّ على عمارة هذا الغمز بالفاطميين، ولم يسكت على هذا الغمط لحقهم، والغض من مكانتهم، فقام يرد عليه بكل جرأة وشجاعة قائلاً:

أثمتَ يا من هجا السادات والخُلَفا وقلـتَ ماقلتَه فـي ثلبهم سـخَـفا

جعلتَهم صـدفاً حَلّوا بلـؤلـؤةٍ والعُرفُ مازال سُكنى اللؤلؤ الصدفـا

وإنما هـي دارٌ حـلّ جوهرهم فيها وشـفّ فأسـناها الـذي وصفـــــا

إلى آخر هذه القصيدة الارتجالية الرائعة، التي علّق عليها المقريزي بقوله: (فلله دَرُّ عمارةَ، لقد قام بحق الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته، لا جرم أنه قُتل في واجب من يهوى، كما هي سنّة المحبين، فالله يرحمه ويتجاوز عنه)(23).

على أن أفجع الفواجع ما لحق خزانة الكتب، التي (كانت من الضخامة بحيث أنها ضمّت (600) ألف كتاب مخطوط، ثم ما لبثت أن أُنشئت دار الحكمة القاهرية، وهي لم تكن أرففاً لاحتواء الكتب فقط، ولكنها كانت تضم جيوشاً من المترجمين والعلماء والنسّاخين، وكانت بذلك جامعة متخصصة لإنتاج الكتب)(24)، هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي تعب الفاطميون في جمعها، وأنفقوا من الأموال ما أنفقوا في الحفاظ عليها، أصابها من صلاح الدين ما أصاب الفاطميين أنفسهم، ومثلما شهد العصر الفاطمي ازدهار المكتبات القاهرية، شهدت بداية عصر صلاح الدين انهيارها بفعل النهب والحرق واللامبالاة(25).

يصف الدكتور محمد كامل حسين كيف أُحرق ورقُ كتب هذه المكتبات، وأخذ العبيد والإماء جلودها لعمل ما يلبسونه في أرجلهم، والذي بقي فيها مما لم يحرق، سفت عليه الرياحُ الترابَ، فصارت تلالاً باقية تعرف بتلال الكتب(26)، ثم يقول: (وكذلك ضاعت كنوز الفاطميين بيد التعصب الممقوت)، ويختم كلامه بالقول: (ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر، سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يبق منه إلاّ اسم الشاعر أحياناً إن قُدِّر لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري، لتعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد أحرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر)(27)، فإذا كان هذا فعلُهم في الشعر، فما بالك بما فعلوا في الفكر؟!.

ويقول ابن أبي طي في وصف ما حلّ بهذه المكتبة الكبرى: (ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا)(28)، لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، ويقال أنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة(29).

ويقول العماد الأصفهاني في ذلك: (وفيها من الخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي، وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام، يتصرف بها بشرَه الانتهاب والالتهام)(30)، وهكذا شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباء منثوراً، وأتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها في مكتبة قط، وهل فعل التتار والمغول في مكتبات بغداد أكثر مما فعله صلاح الدين هذا بخزانة كتب القاهرة ومكتباتها؟.

ورغم أن نور الدين كان ولي نعمته، وهو الذي رشحه للوزارة لدى العاضد بعد وفاة أسد الدين شيركوه، إلاّ أنه لم يسلم من تنكّر صلاح الدين له والتنمر عليه في حياته، والاحتماء منه بالصليبيين، ثم القضاء على مملكته وضمها إليه بعد وفاته، لكنّ الأشد انتقاماً من نور الدين ما فعله مع ابنه (الملك الصالح).

لقد كان ابن نور الدين هذا مقيماً في حلب، وكان على صغر سنه محاطاً برعاية الحلبيين باعتباره ملكهم المقبل بعد أبيه، فكان أول ما فعله صلاح الدين بعد استيلائه على الشام، أن قصد إلى حلب للقضاء عليه.

يقول ابن الأثير: (لما ملك صلاح الدين حماة، سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح - وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة - وجمعَ أهل حلب وقال لهم: قد عرفتم إحسانَ أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم وقد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه، يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى ولا الخلق ... وبكى وأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه والمنع عن بلده)(31)، ولكن صلاح الدين تمكّن منه واعتقله وعاد به إلى دمشق، ولزيادة التشفي بنور الدين وولده، تزوج زوجة نور الدين، ودخل بها وبات عندها ليلة واحدة، وخرج بعد يومين إلى مصر(32)، لقد شفت الليلة غيظه، وانتقم من نور الدين انتقام الأنذال(33).

ولا تسل بعد ذلك عن المجازر التي أوقعها صلاح الدين بأهل حلب، ولا عن الحرائق التي استهدفت منابر العلم ودور الكتب، ولا عن الإعدامات التي كانت تنتظر العلماء والحكماء، مما ملأ بطون كتب التاريخ، وكان على رأسهم جميعاً، الفيلسوف الإشراقي العظيم، شهاب الدين بن يحيى السهروردي(34) ، الذي قُتل عام 1191م خنقاً بوتر، وقيل بالسيف، وقيل سوى ذلك، وكان الفيلسوف السهروردي من أكبر علماء عصره(35)، ولا تسل كذلك عن الضرائب الباهظة والمقتطعات التي أثقلت كاهل جميع المسلمين من أهل حلب في تلك الحقبة السوداء.

وحسبك للوقوف على طريقة معاملته للشعب الذي كان يحكمه صلاح الدين، ما كتبه عنه الدكتور حسين مؤنس، وهو من أشد المتحمسين للدفاع عن صلاح الدين الأيوبي، قال: (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجر إلاّ قصم الجُباة ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار، إلاّ أُنذِر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقّفها الجباة، ولا سنبلة قمح إلاّ استقرت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(36).

ولا غرابة بعد هذا كله أن تعلم أن ولاته وعماله هم جميعاً من أمثال (قراقوش)، الذي خلّفه والياً على مصر، ليتفرغ هو لاحتلال الشام، والقضاء على ملك نور الدين زنكي، والتشفي منه.

إدمانه على الخمر وانصرافه إلى اللهو واللعب

رغم جنوح المؤرخين غالباً، إلى تجنب الخوض في الأمور الشخصية والأهواء النفسية، للحكام والسلاطين الذين يؤرخون لهم، إيثاراً للسلامة، وخوفاً من الوقوع تحت غضب هؤلاء السلاطين وخلفائهم، والانتقام منهم بالحرمان والملاحقة والقتل والتشريد، فإن بعض رشحات أقلام هؤلاء المؤرخين، أعطتنا بعض الضوء للولوج إلى بعض تلك الأهواء والممارسات.

ومن هذه الرشحات ما صرّح به كمال الدين بن العديم، في الجزء الثاني من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب)، حيث قال: فأرسل العاضد إلى صلاح الدين وأحضره عنده، وولاّه الوزارة بعد عمّه، وخلع عليه ولقّبه بالملك الناصر، فاستتبت أحواله وبذل المال وتاب عن شرب الخمر(37).

على أن القاضي ابن شدّاد، الذي كان من المؤرخين الذين أشادوا كثيراً بصلاح الدين، أضاف إضافة مهمة حين قال: وشكر نعمة الله فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو(38)، ويعقب السيد الأمين على ذلك بقوله: وإذا كان أنصار صلاح الدين قد اعترفوا بأنه كان سِكِّيراً خِميِّراً قبل توليه الوزارة، فالله وحده يعلم ما إذا كان قد تاب أم لا(39)، لاسيما إذا عرفنا أنه لم يكن يومذاك – كما هو اليوم – مصحات لمعالجة المدمنين وإعادتهم إلى الصواب، فالمدمن يومذاك لا علاج لإدمانه، ويبدو أن إدمان شرب الخمر، كان متأصلاً في الأسرة الأيوبية، فالأفضل بن صلاح الدين وخليفته في دمشق (أقبل على شرب المسكر واللهو واللعب)(40)، والله وحده يعلم كذلك، ما كان يجري من مخازٍ ومعاصٍ في مجالس اللهو واللعب التي كان صلاح الدين وابنه الأفضل عاكفين عليها.

ميله إلى النصرانية وأثر اليهودية عليه

فيما يتعلق بالجانب الأول وهو ميله إلى النصرانية، يقول الدكتور لويس بوزيه معلّقاً على ما قرأه في المصادر الفرنجية القديمة: (رأت هذه المصادر القديمة الفرنجية أن يكون صلاح الدين قد قُلِّدَ بمراسيم الفروسية المسيحية، وأن اسم صلاح الدين في صيغته الفرنسية Saladin لا يزال يطلق حتى اليوم على أعضاء بعض الأسر النبيلة الفرنسية، وكان لنا الحظ ونحن نحرر هذه المحاضرة، أن نعثر على إعلان وفاة في عدد من جريدة Le Figaro بتاريخ 22 تشرين الثاني 1993م، يذكر فيه اسم المتوفى كالآتي:

(Marie Bernard Saladin , Marquise, Montmorillon ، وحسب بعض الروايات المسيحية أن صلاح الدين كان يعجب بالطقوس الدينية المسيحية، وأن ما منعه من اعتناق الدين المسيحي ليس معتقدات هذا الدين بالذات - إذ أظهر إعجابه به - بل التصرفات السيئة لبعض الذين يمارسونها، وأنه صرّح أن الديانة المسيحية هـي خير الديانات، وأنه كان له ميل إلى الديانة المسيحية وإن لم يعتنقها في النهاية)، ويتابع الدكتور: (إن صلاح الدين حسب هذه الروايات، كان ينحدر من أسرة نبيلة فرنسية، من نبلاء شمالي فرنسا Sires De Ponthieu وذلك من خلال شجرة نسب أسطورية، نجد فيها أن جدّة السلطان الأسيرة الجميلة La Belle Captive هي حفيدة الأمير Ponthieu الذي أصبح نفسه بالتالي الجد الخامس لصلاح الدين، وعلى قول أحد هذه المصادر القديمة: كان صلاح الدين تركياً، ولكن يجري في عروقه من جهة أمه وجدته الدم الفرنسي النبيل).

ويختم الدكتور هذه المقاطع بقوله: (نستخلص من كل ما سبق، أن صلاح الدين قد أصبح في تصور هذه المصادر القديمة، أحد هؤلاء الفرنج المثاليين، يتحلى بفضائلهم السامية وخصالهم التقليدية من كرم وشجاعة)(41)0

ويقول الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي، عضو هيئة التدريس بقسم التاريخ والحضارة بجامعة الإمام محمد بن سعود: (إن هناك أنشودة قديمة ألفها (سيراكون) في القرن الثاني عشر الميلادي، تتكون من مائة وخمسين بيتاً،عثر على مخطوطتها عام 1875م المؤرخ (ستينجل) في مكتبة (أوكسفورد)، ويهمنا هنا أن هذه القصيدة تصف صلاح الدين بأنه شبه نصراني)(42).

ونحب أن نضيف هنا شيئاً عن مباركة صلاح الدين لمحاولة أخيه (العادل) الزواج من أخت الملك الصليبي الإنكليزي (ريشارد قلب الأسد)، وفي هذا الصدد يقول عماد الدين الأصفهاني مؤرخ صلاح الدين في كتابه (الفتح القسي في الفتح القدسي): (وصلت رسل ملك الإنكليز ريكاردوس أو ريتشارد قلب الأسد إلى (العادل) بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ بالمهاداة والترك للمعاداة، والمظاهرة بالمصاهرة، وترددت الرسل أياما وقصدت التئاماً، وكادت تحدث انتظاماً، واستقرّ تزوج الملك العادل بأخت ملك الإنكليز، وأن يعوَّل عليهما من الجانبين في التدبير، على أن يُحَكَّمَ العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد، وتكون الامرأة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في أوجها، ويرضي العادل مقدَّمي الفرنج والداويَّة والأسبتار ببعض القرى، ولا يمكنهم مـن الحصون والذُّرا، ولا يقيم معها في القـدس إلاّ قسّيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان)0

ويضيف بعد ذلك موضحاً رضى صلاح الدين بتلك الخطة: (واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد، وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد، ...وقال لنا: تمضون إلى السلطان وتخبرونه عن هذا الشان، وتسألونه أن يحكِّمني في تلك البلاد، وأنا أبذل فيها ما في وسع الاجتهاد، ... فلما جئنا إلى السلطان، عرف الصوابَ وما أخّر الجواب، وشهدنا عليه بالرضى)(43).

لكن ملك الإنكليز اعتذر فيما بعد (بامتناع أخته، وأنه في معالجتها وتعرُّفِ رضاها في وقته)(44).

ورغم أنه من الصعب أن يصدق المرء شيئاً من هذه الروايات، فإنه من الصعب كذلك الركون إلى نفيها دون دليل قاطع، اللهم سوى استصحاب الحال السابق الشائع بين الناس.

وكذلك فإنه من العسير جدا، تفسير تسامح صلاح الدين مع الصليبيين، وتخاذله عن مواصلة الجهاد ضدهم، بل والتحالف معهم، بكونه نصرانياً أو شبه نصراني، بينما يسهل تفسير تبجيل الفرنجة لصلاح الدين بأنه يعود في أقل تقدير إلى مهادنته للصليبيين، وتنازله لهم عن كل فلسطين عدا القدس، وبذلك أحال هزيمتهم إلى نصر، كما قام بنفسه بتمزيق البلاد الإسلامية، بلاد أعداء الصليبيين وأضعفها، وحال دون قيام الدولة العربية الكبرى، معضودة بالعالم الإسلامي، مما مهّد لعودة القدس، وكثير من مدن فلسطين ولبنان وسوريا إليهم أيضاً، وبقوا مسيطرين على تلك البلاد فترة طويلة بعد ذلك 0

أما الجانب الثاني، وهو أثر اليهودية على نفسية وتصرفات صلاح الدين، فهو الآخر ذو شؤون وشجون، فلقد كان لموسى بن ميمون(45) نفوذ غير محدود، على صلاح الدين وحاشيته وأمرائه، ولقد (اختير طبيباً لنور الدين علي، أكبر أبناء صلاح الدين، والقاضي الفاضل البيساني وزير صلاح الدين(46)، الذي لم يكن له من صفات الفضل شيء على الإطلاق، والذي أصبح بنفاقه وتملقه الحاكم الفعلي لمصر بعد مغادرة صلاح الدين لها عام 1174م.

كان لشهرة ابن ميمون الطبية، الدور الأبرز في لفت أنظار البلاط الأيوبي إليه، والتي (أتاحت له أن يجمع بين رعاية السلطان صلاح الدين، ورعاية نخبة المجتمع القاهري)(47)، ولقد استطاع ابن ميمون في ظل هذه الرعاية أن يحظى بمكانة رفيعة جداً عند صلاح الدين وحاشيته، لدرجة أنه تزوج من شقيقة (ابن المالي)، أحد مستشاري السلطان، وزوّج شقيقته لابن المالي، ولدرجة أن صلاح الدين رفض طلب أحد القضاة عام 1187م، إنزال عقوبة القتل به باعتباره مرتداً عن الإسلام، ركوناً إلى حجة وزيره الذي كان صديقاً حميماً لابن ميمون، وقوله أن الرجل الذي أُرغم على اعتناق الإسلام، لا يمكن أن يعتبر مرتداً بحق(48).

والذي يلفت النظر ويشد الانتباه حقاً، أن صلاح الدين الذي أصر على إعدام الفيلسوف (شيخ الإشراق) والإمام الشافعي المذهب، شهاب الدين بن يحيى السهروردي، متهماً إياه بالخروج عن الدين، غض الطرْف تماماً عن موسى بن ميمون، الذي نشر في الشهر ذاته مقالة في بعث الموتى، وعبّر فيها عن تشككه في عقيدة الخلود الجسمي، كما أصمّ أذنيه أيضاً عن تسفيه عبد اللطيف البغدادي لابن ميمون بعد صدور كتابه (دليل الحائرين)، واتهامه له بأنه (يهدم أركان جميع الأديان، بالوسائل نفسها التي يخيل إلى الناس أنه يدعمها بها)(49).

موسى بن ميمون هذا:

(استخدم نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر)(50).

(ولما فتح صلاح الدين فلسطين، أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد، وابتناء كُنُس ومدارس)(51).

3-كان الحكم الشيعي في اليمن، يخير اليهود بين القتل أو الإسلام، فلما علموا بالنفوذ الذي يتمتع به موسى بن ميمون عند صلاح الدين، لجأوا إليه عام 1172م، فاستجاب لمطلبهم، وكتب لهم ما سمي (بالرسالة اليمنية)، وطلب من الحاخام (نتانئيل الفيومي) إرسال نسخة عن هذه الرسالة إلى كل الجماعات في اليمن.

ورغم أن الموسوعة اليهودية، لم تكشف النقاب عن كل محتويات الرسالة، فلقد كانت هذه الرسالة بمثابة رسالة الأمل بالنسبة إلى يهود اليمن، لدرجة أنهم أدخلوا في القوديش صلاة (لأجل نفس معلمنا موسى بن ميمون).

وما أسرع ما تحقق هذا الأمل على يدي ابن ميمون، عندما اجتاح الأيوبيون اليمن عام 1173م، أي بعد وصول رسالة ابن ميمون هذه بأشهر معدودة، حيث رفع السيف عن رقاب اليهود في اليمن، ووضع في رقاب المسلمين، وتم تخفيف الضرائب عن كاهل اليهود، وأُثقل بها كاهل المسلمين(52).

كانت هذه بعض أهم النقاط سوءاً في سيرة صلاح الدين الأيوبي، تعرضنا لها بشيء من الإيجاز، وأعرضنا عن البعض الآخر روماً للاختصار.



الهوامش:

1- (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) للسيد حسن الأمين ص 184، ( انظر (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 391 وما بعدها من طبعة 1962، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة.

2- السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 184- 185.

3- خطط المقريزي ج 1 ص 215.

4- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 167- 168.

5- المصدر السابق ص 186.

6- المصدر السابق ص 168.

7- خطط المقريزي ج 1 ص 358- 359.

8- المصدر السابق.

9- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 187- 188.

10- المصدر السابق ص 168.

11- المصدر السابق ص 191.

12- المصدر السابق.

13- (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 58 وما يليها، ابن الأثير في الكامل ج 11 ص 371.

14- المصدر السابق.

15- (البداية والنهاية) ج 13 ص 11.

16- العماد الأصفهاني في (الفتح القسي في الفتح القدسي) ص 183 وما بعدها ( انظر الأمين ( مصدر سابق ) ص 116- 117.

17- تفصيل المراسلات والمفاوضات بين الخليفة وصلاح الدين، مبسوطة في كتاب عماد الدين الأصفهاني: (الفتح القسي في الفتح القدسي)، وأخبار الرسالة العنيفة المنوه عنها تجدها على ص 183 وما بعدها، ويذكر العماد أن صلاح الدين قد وصف تلك الرسالة بأنها (ألفاظ فظاظ وأسجاع غلاظ...قد كان أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظاً وأرفق).

18- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169.

19- ويحدّد المقريزي في خططه عددهم بعشرة آلاف شريف وشريفة ( ج 1 ص 497 )، وقال ابن عبد الظاهر أن حبسهم على هذا الشكل استمرّ حتى انقرضت الدولة الأيوبية ومُلكُ الأتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس.. البندقداري، فلما كان في سنة 660هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم، بعد أن أصبحوا كما يقول المقريزي (كهولاً مرضى لا أمل منهم ولا بشفائهم).

20- السيد الأمين ( مصدر سابق) ص 68.

21- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 66.

22- (خطط المقريزي) ج 22 ص 496 ناقلاً قول ابن سعد الذي يضيف قائلاً عن القصيدة: (لم يُسمعْ فيما يُكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها).

23- الخطط ج 21 ص 469

24- الدكتور محمد الرميحي، مجلة العربي، العدد 426، أيار 1994م ص 22.

25- المقريزي ج 2 ص 255، ينقل ذلك عن ابن طي.

26- المصدر السابق.

27- المصدر السابق.

28- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 26- 27.

29- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169.

30- المصدر السابق.

31- كتاب (الروضتين) ج 2 ص 676.

32- ابن العديم في الجزء الثالث من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب) ص 667.

33- السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 203.

34- ياقوت الحموي في: (معجم الأدباء). (انظر السيد الأمين – مصدر سابق- ص 148-149).

35- (وفيات الأعيان) لابن خلكان.

36- مجلة (الثقافة) العدد 462 (السيد الأمين - مصدر سابق - ص 164).

37- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 166.

38- (النوادر السلطانية) ص 32- 33 ، وذكر مثل ذلك كل من أبي الفداء في تاريخه، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) ج 22 ص 279 و 22/ 282.

39- السيد الأمين ( مصدر سابق) ص 166.

40- ابن كثير في (البداية والنهاية) ج 13 ص 9.

41- هذه بعض مقاطع مهمة من خطاب الدكتور الأب لويس بوزيه الفرنسي، الذي ألقاه في (مؤتمر صلاح الدين الأيوبي) المنعقد في بيروت في شهر نيسان من عام 1994م، نقلاً عن كتاب السيد الأمين (مصدر سابق) ص 212، وهذا المؤتمر أريد له أن يكون انتصاراً لصلاح الدين، فأبى الله سبحانه إلاّ أن يزيده افتضاحاً على ألسنة مؤيديه أنفسهم.

42- جريدة (الشرق الأوسط) السعودية التي تصدر من لندن، العدد الصادر بتاريخ 26/5/1995والأعداد التي تليه.

43- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 124- 125.

44- المصدر السابق ص 126.

45- موسى بن ميمون واحد من أعظم الشخصيات اليهودية على الإطلاق، كما تقول الموسوعة اليهودية، وهو أشهر شخصية يهودية في الحقبة المابعد تلمودية، وقد احتفلت مدينة تل أبيب في إسرائيل بمرور 800 سنة على وفاة ابن ميمون، فأنشأت مكتبة خاصة به، وقد عاش في بلاط صلاح الدين طبيب يهودي آخر، هو هبة الله بن جميع . ( انظر مجلة الرسالة العدد 110).

46- وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.

47- جورج طرابيشي (معجم الفلاسفة) ص 31.

48- Islam Arnold preaching of, , 421.

49- وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.

50- الموسوعة اليهودية ج 14 ص 669.

51- المصدر السابق، وقد ذكر ذلك الدكتور الطرابيشي في (معجم الفلاسفة) ص 32، قال: بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصورة عامة.

52- لمعرفة المزيد عن ابن ميمون وعلاقته بصلاح الدين، يراجع كتاب (صلاح الدين الأيوبي) للسيد حسن الأمين ص132- 140.

حقائق عن فساد الدين الأيوبي لعنة الله عليه ج1

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعدائهم

صلاح الدين الأيوبي بين الأسطورة والواقع
الأستاذ إبراهيم محمد جواد


مقدمـة:

يحار المرء في الوصول إلى حقيقة شخصية صلاح الدين، وسبر أغوار نفسيته المقلقلة، خاصة وهو بطل معركة حطّين، التي انتهت في الرابع من تموز عام 1187 م بتحرير القدس من أيدي الصليبيين، وتحقيق نصر مؤزر عليهم.

ولكن المنصف إذا أبحر بعمق، في سفينة المؤرخ والمفكر الكبير السيد حسن الأمين عبر كتابه ( صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين)، يمكن أن يصل إلى شاطئ فيه الكثير من الصور واللوحات، التي تعبر إن لم يكن عن كل الحقيقة فعن أكثرها جلاء في حياة هذا الرجل.

يقول السيد الأمين أن صلاح الدين الأيوبي (لم يكد يطمئن إلى النصر الرائع في تلك المعركة، حتى أسرع إلى القيام بعمل لا يكاد الإنسان يصدقه، لولا أنه يقرأ بعينيه تفاصيله الواضحة، فيما سجله مؤرخو تلك الحقبة، المؤرخون الذين خدرت عقولهم روائع استرداد القدس، فذهلوا عما بعده، لم تتخدر أقلامهم فسجلوا الحقائق كما هـي، وظل تخدير العقول متواصلاً من جيل إلى جيل، تتعامى حتى عما هـو كالشمس الطالعة، حصل بعد حطين أن صلاح الدين الأيوبي آثر الراحة بعد العناء، والتسليم بعد التمرد، فأسرع يطلب إلى الإفرنج إنهاء حالة الحرب وإحلال السلام )(1).

ولكي يتوصل صلاح الدين إلى إحلال السلام وإنهاء حالة الحرب مع الصليبيين، رضخ بصورة مذهلة وغريبة إلى كل الشروط التي اشترطوها عليه أثناء المفاوضات، ومنها: التنازل للصليبيين عن الكثير من المدن التي كان صلاح الدين قد استردها منهم بالحرب00 حيفا - يافا – قيسارية – نصف اللد ونصف الرملة – عكا – صور – وسوى ذلك، حتى صارت لهم فلسطين إلاّ القليل(2).

إضافة إلى ماوراء ذلك من اعتراف بوجودهم وإقرار لاحتلالهم، ورفع العنت والمعاناة عن رقابهم الموضوعة تحت سيوف المجاهدين، وإعطائهم الفرصة الذهبية للراحة، والاستعداد التام للانقضاض على القدس من جديد، الأمر الذي حصل فعلاً بعد موت صلاح الدين.

ويقول الدكتور حسين مؤنس: (ثم دخلوا في مفاوضات مع صلاح الدين انتهت بعقد صلح (الرملة)، الذي نصّ على أن يترك صلاح الدين للصليبيين شريطاً من الساحل، يمتد من صور إلى يافا، وبهذا العمل عادت مملكة بيت المقدس – التي انتقلت إلى طرابلس – إلى القوة بعد أن كانت قد انتهت، وتمكن ملوكها من استعادة الساحل حتى بيروت ... وبذلك تكون معظم المكاسب التي حققها صلاح الدين – فيما عدا استعادته لبيت المقدس – قد ضاعت)(3).

• متى يكون الجنوح للسلم؟:

إنه لأمر غريب حقاً وعجيب جداً بل ومريب، أن يجنح إلى السلم قائد مظفر لجيش منتصر، ثم إن هذا الذي جنح إليه صلاح الدين، هل هو سلم أم استسلام؟!.

قال الله تعالى في محكم التنزيل (وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله)[سورة الأنفال: الآية 61].

يلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد اشترط في هذه الآية الكريمة، أن يجنح المعتدون أنفسهم إلى السلم، فيجنح إليه عندئذ المسلمون، وهذا يعني أن الهزيمة الأكيدة قد حاقت بالأعداء، ولاحت لهم بوادرها، فجبنوا عن متابعة الحرب، وجنحوا إلى طلب الصلح حفظاً على أرواحهم وأنفسهم، ولم يعودوا مؤهلين إلى تقديم شروط، وباتوا مستعدين للاستجابة للشروط التي يفرضها عليهم المسلمون، وغني عن البيان أن المسلمين بما هم مكلفون بتبليغ الإسلام إلى البشرية جمعاء، وبما هم مأمورون به من العدل والإنصاف، وتأليف قلوب الكفار ليسلموا لله ويؤمنوا بالحق الذي جاء من عنده، لن يشتطوا في شروطهم، ولن يجعلوها شروطاً تعجيزية مجحفة، بل سيقتصرون من الشروط على سبيل المثال لا الحصر على:

- فتح الطريق أمام حرية الدعاة في التبليغ ونشر نور الرسالة الربانية.

- استرداد الأسرى من المؤمنين – إن كان هناك أسرى – أو تبادلهم مع الأسرى من الكفار المقاتلين.

- الجلاء التام الكامل عن كل شبر من الأرض الإسلامية، التي دخلها الكفار أو احتلوها أثناء الحرب.

- وربما دفع جزية للمسلمين، حتى لا يفكر الكفار مستقبلاً في نقض هذه الشروط.

ولكن شيئاً من هذا لم يحصل بين صلاح الدين الأيوبي والصليبيين المعتدين، فما الذي حصل إذن؟:

1- إن صلاح الدين هو الذي طلب الصلح والهدنة، وبادر إليها رغم أنه المنتصر في معركة حطين التي انتهت بتحرير القدس.

2- الصليبيون استغلوا استغلالاً كبيراً هذه المبادرة السلمية من صلاح الدين، وفرضوا عليه شروطهم كاملة.

3- لم يحقق صلاح الدين أياً من مقتضيات الجنوح الإسلامي إلى السلم، فالصليبيون لا يزالون محتلين لمنطقة كبيرة جداً من البلاد الإسلامية.

4- وزاد من سوء هذا الجنوح إلى السلم تنازل صلاح الدين للصليبيين عن مناطق أخرى ومدن مهمة كانت في يد صلاح الدين.

كل هذا في الوقت الذي لم يكن فيه صلاح الدين في حالة ضعف أو تقهقر، بل كان في حالة عظيمة من الانتصار والتقدم والقوة، بل وكان الخليفة الناصر العباسي يلح عليه في أن يمده بجيش الخلافة، وكان ذلك إيذاناً بنصر كاسح على الصليبيين المعتدين، سيؤدي إلى طردهم خارج البلاد الإسلامية، والتنكيل بهم تنكيلاً يجعل الرعب يدب في قلوب من خلفهم من الكفار، بحيث لا يراودهم أي أمل ولو في مجرد التفكير مستقبلاً بالاعتداء على ديار المسلمين، طبقاً لقوله عز من قائل(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذّكرون)[سورة الأنفال: الآية 57].

• لماذا جنح صلاح الدين إلى السلام مع الصليبيين؟:

هنا لابد أن يثور في الفكر سؤال كبير، وبحث عن السبب الذي دفع صلاح الدين إلى إيقاف الحرب مع الصليبيين، والجنوح الشديد نحو مسالمتهم وعقد معاهدة الصلح معهم بهذا الشكل المريب، وهو السؤال الذي لم يبخل التاريخ بالإجابة عنه بصراحة ووضوح، ومن قبل أقرب المقربين من المؤرخين إلى صلاح الدين.

لو كان صلاح الدين مجاهداً في سبيل الله والإسلام، لالتزم بالتعاليم الإسلامية بشكل عام، وبالأحكام المتعلقة بالسلم والحرب بشكل خاص، وواقع الحال يؤكد غير ذلك(3أ).

ولو كان صلاح الدين بطلاً قومياً كما يدّعون له، لاختار أن يستمر في الحرب حتى يطهر الأرض العربية من رجس الغزاة المعتدين، ويكنس منها كل أثر للصليبيين، قبل أن يفكر بالخلود إلى الراحة والدعة، وموادعة أعداء الأمة، الرابضين في أهم مدنها وبقاعها، والجاثمين فوق صدور أبنائها.

• فماذا كان صلاح الدين الأيوبي إذن؟

إنه لا مفر أمامنا من الاعتراف، أن صلاح الدين الأيوبي ما هو إلاّ طالب لسلطة وملك حازهما بكل خسة ونذالة، وطامح لمجد شخصي ناله بالغدر والخيانة، ولم تكن الدواعي الإسلامية والدوافع القومية لتخطر على باله، أو لتحتل حيّزاً ولو صغيراً في قلبه.

ومن هنا فقط، نستطيع أن نفهم مبادرته لإيقاف الحرب، وسعيه الحثيث لعقد الصلح مع الصليبيين،ومحاولاته المتكررة لثني الخليفة العباسي الناصر عن إرسال أي جيش إلى فلسطين لمعاضدة صلاح الدين في قتال الصليبيين وطردهم من الديار الإسلامية(4).

كان نور الدين زنكي ولي نعمة صلاح الدين، قد طلب إليه أن يزحف من مصر، في حين يزحف نور الدين من الشام، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين مما يسهل القضاء عليهم، فأبى ذلك صلاح الدين، لأنه اعتقد أنه إذا زال الصليبيون أصبح تابعاً لنور الدين، ولما أدرك أن نور الدين عازم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه، احتمى منه بالصليبيين كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم(5).

يقول أبو شامة: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين، لأنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الصليبيين، ليسير هو بعساكره إلى مصر، وكان المانع لصلاح الدين من الغزو، الخوف من نور الدين، فإنه كان يعتقد أن نور الدين، متى زال عن طريقه الفرنج، أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم )(6).

وياليت الله مدّ في عمر نور الدين ريثما يزيل هذا الجاحد للنعمة، المتخاذل عن النصرة، فيتغير بذلك وجه التاريخ، ولا يبقى للصليبيين أثر في البلاد الإسلامية، ولكن نور الدين أتاه أمر الله الذي لا يرد، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولتكون أمام صلاح الدين الفرصة ليعيد هذا الموقف نفسه مرة ثانية مع الخليفة الناصر العباسي، (ولتنكب الأمة نكبة أخرى بتمزيق صفوفها، وتوريث بلادها كما تورث القرى والمزارع لورثة صلاح الدين، فتعاد القدس التي سفكت دماء المسلمين في سبيل استردادها، تعاد بسبب ترتيبات صلاح الدين إلى الصليبيين)(7).

(هنا أيضاً وقف صلاح الدين الموقف نفسه من الخليفة الناصر، فرفض قدوم جيش الخلافة لقتال الصليبيين والقضاء عليهم، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له)(8).

وأمام الرسالة الأخيرة التي أرسلها الخليفة الناصر، والتي لم يفصح العماد الأصفهاني عن شيء من مضمونها، والتي استشعر صلاح الدين الشدة فيها، والإصرار على إرسال جيش قوي لطرد الصليبيين، قرر صلاح الدين في نفسه التمرد على الخليفة، إلى حد قتال جيشه لو جاء إلى فلسطين.

ولذلك فقد راح يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وخاصة بعدما جاءت الأخبار بقدوم حملة صليبية ألمانية كبيرة، اجتازت القسطنطينية وشقت طريقها في الأناضول، ودخلت مدينة قونيه وتحالفت مع الملك السلجوقي قلج أرسلان.

فمن جهة حاول صلاح الدين أن يلين للخليفة الناصر، ويطمئنه على قدرته على القيام وحده بواجب صد هذه الحملة وردها على أعقابها، فأوفد رسولاً إليه، وزوده برسالة يقول فيها: (00 والخادم منفرد في عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض، وهو واثق بأن بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأن الذي يستبعد مـن النصر القريب يتسق ويتسع بـه سلكه ومسلكه إن شـاء الله)(9).

ومن جهة ثانية، كان يوقع معاهدة الصلح والسلام مع الصليبيين، وينزل عند شروطهم، ويتنازل لهم عما كان في يده وتحت سلطانه من مدن فلسطين وغير فلسطين، ويتحالف معهم لقتال جيش الخليفة إن هو جاء إلى فلسطين.

فما أن تم له إنجاز هذا التحالف واستكمال متطلباته، حتى كتب إلى الخليفة معلناً رفض أمراء جيشه مواصلة القتال، وبالتالي تململهم من قدوم جيش الخليفة، لأن العسكر قد أنهكتهم الحرب حتى سئموا وملوا وضجروا وكلّوا(10).

على أن صلاح الدين الذي أبرم هذا الصلح مع الصليبيين أعداء الأمة الإسلامية، ورسم هذه الصورة الهزيلة لجيشه، زاعماً في رسالته للخليفة أن جيشه قد ملّ القتال وسئم الحرب، وغدا عاجزاً ضعيفاً عن مواصلة الكرّ والفرّ، كان يعدّ لحرب جديدة، ولكن لا لإنقاذ الوطن الإسلامي مـن خطر الصليبيين هذه المرة، وإنما لتوسيع رقعة مملكته الخاصة على حساب ممالك إسلامية أخرى، (لأن إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحد من نفوذه ويقلل من هيمنته، أما القتال في مناطق أخرى، فإنه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام، ولو أن المناطق التي عزم على القتال فيها، هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر، ولكن صلاح الدين الذي عزم على مسالمة الصليبيين وإنهاء الحرب معهم والتسليم بوجودهم، صلاح الدين هذا كان يخطط لغزو البلاد الإسلامية، وسفك دماء المسلمين، تحقيقاً لمطامعه الشخصية، عزم على ترك الصليبيين في أمان، واتجه لترويع المسلمين الآمنين)(11).

ويذكر ابن الأثير في تاريخه، وابن كثير في البداية والنهاية، أن صلاح الدين كان عازماً على أن يغزو بنفسه بلاد الأناضول، التي كانت وقتذاك بلاداً إسلامية، يحكمها أولاد قلج أرسلان السلجوقي، وأن يوجه أخاه (العادل) لغزو بلاد (خلاّط) والدخول منها إلى أذربيجان، ومن ثم بلاد العجم، لكن المنية عاجلت صلاح الدين، وحالت بينه وبين الإقدام على جريمة أخرى من جرائمه الكثيرة في حق الإسلام والمسلمين، كما حالت من قبل بين نور الدين زنكي وبين السير إلى مصر، لإنزال عقوبة الموت بصلاح الدين الذي نكل بوعده ونكص عن التوجه لقتال الصليبيين، حسب الخطة التي رسمها لـه نور الدين زنكي، وليُّ نعمته وصاحب الفضل الذي لا ينكر عليه.

• ما الذي فعله صلاح الدين؟:

وقبل أن نصل إلى ختام هذا البحث، نسأل أنفسنا والتاريخ هذا السؤال المهم عما فعله حقاً صلاح الدين، ونستنطق التاريخ فنجده يقول بكل صراحة:

1- قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية في مصر، وأباد المكتبات العظيمة التي أنشاؤها، وشتت الكتب التي سهروا طويلاً على جمعها وترتيبها، ووضعوها بين أيدي العلماء، لينهلوا من معينها الفياض، ونكّل بأتباعهم وأشياعهم بكل قسوة ووحشية.

هذه الدولة العظيمة، التي كانت طوال فترة حكمها، السدّ المنيع أمام أطماع الروم البيزنطيين، والحارس القوي اليقظ على ثغور دولة الإسلام، سواء في الشام بالمشرق، أو في إفريقيا بالمغرب، متابعة في ذلك الدور العظيم، الذي كانت تقوم به قبلها الدولة الحمدانية في حلب، بقيادة سيف الدولة الحمداني، والتي قضى عليها هي الأخرى أسياد صلاح الدين وآباؤه.

لقد كانت الدولة الفاطمية، في صراع دائم وثابت مع الروم البيزنطيين، ورغم كل الحشود الضخمة والجهود الحثيثة، والإصرار من قبل البيزنطيين للوصول إلى القدس، فإن الفاطميين استطاعوا بصمودهم وشجاعتهم صدّ هؤلاء عن القدس، بل عن كل البلاد الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء، وظلت الضربات الفاطمية تلاحقهم حتى ردتهم إلى أنطاكية، ولما حاق الفشل الذريع بالإمبراطور البيزنطي، عاد آيباً إلى القسطنطينية، حيث مات فيها مقهوراً في أوائل سنة 971 م (12).

2- اكتفى صلاح الدين بالنصر الذي حققه في معركة حطين، والتي انتهت بانتزاع القدس من أيدي الصليبيين، وبدلاً من متابعة الحرب، واضعاً يده في يد الخليفة الناصر العباسي حتى طرد الصليبيين من كافة الأرجاء والمدن الإسلامية، آثر مصلحته الشخصية في بسط نفوذه على بلاد الشام، وتمكين ملكه فيها، بعيداً عن نفوذ الخليفة، أو تدخله في شؤون تصريفه لأمور مملكته هذه.

ولتحقيق هذه الغاية بادر إلى مسالمة الصليبيين وموادعتهم، بل إلى التحالف معهم لقتال جيش الخلافة لو جاء إلى فلسطين، هذه المسالمة التي تنازل صلاح الدين مـن أجل الوصول إليها، عن معظم مدن فلسطين ولبنان للصليبيين، واعترف لهم بشرعية وجودهم فيها خلافاً لتعاليم الإسلام ورغبة المسلمين، بما فيهم الخليفة الناصر العباسي.

3- في عام 1190 م أصدر صلاح الدين مرسوماً دعا فيه اليهود إلى الاستيطان في القدس، وكان الصليبيون أثناء فترة احتلالهم للمدينة قد حظروا على اليهود الإقامة فيها، وحين زار الحاخام اليهودي (يهوذا بن سليمان الحريزي) (القدس عام 1216 م) وجد فيها جماعة يهودية معتبرة، مكونة من مهاجرين من فرنسا والمغرب وسكان عسقلان السابقين(13).

وترد الموسوعة اليهودية إصدار ذلك المرسوم، إلى نفوذ اليهودي موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين، فتقول بشكل صريح وواضح كل الوضوح: (استخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر، ولما فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس)(14).

ويشير الدكتور جورج طرابيشي إلى هذا النفوذ بقوله: (بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصفة عامة)(15).

وبهذا المرسوم انفتح الطريق منذ ذلك اليوم لقيام دولة إسرائيل، وما وصلت إليه في عصرنا الحاضر من طغيان وفساد في الأرض.

4- قبل أن يموت صلاح الدين، قام بتقسيم البلاد التي كان يحكمها بين ورثته على الشكل الذي يحدده ابن كثير كما يلي:

- مصر: لولده (العزيز عماد الدين أبي الفتح).

- (دمشق وما حولها) لولده (الأفضل نور الدين علي).

- (حلب وما إليها) لولده (الظاهر غازي غياث الدين).

- (الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة على قاطع الفرات) لأخيه (العادل).

- (حماه ومعاملة أخرى معها) لابن أخيه (الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر).

- (حمص والرحبة وغيرها) لابن عمه (أسد الدين بن شيركوه).

- (اليمن) جميعه بمعاقله ومخاليفه لأخيه (ظهير الدين سيف الإسلام طفتكين بن أيوب).

- (بعلبك وأعمالها) لابن أخيه (الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه).

- (بصرى وأعمالها) لـ (الظافر بن الناصر).

ويضيف ابن كثير بعد هذا النص قائلاً: (ثم شرعت الأمور بعد صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع الممالك)(16).

ويقول الدكتور حسين مؤنس واصفاً تلك القسمة: (قسم صلاح الدين الإمبراطورية ممالك بين أولاده واخوته وأبناء أخويه، كأنها ضيعة يملكها، لا وطناً عربياً إسلامياً ضخماً يملكه مواطنوه!)(17).

ثم يقول عما آل إليه الحال بين ورثة صلاح الدين: (عملوا أثناء تنافسهم بعضهم مع بعض، على منح (بقايا الصليبيين) في أنطاكية وطرابلس وعكا امتيازات جديدة، فتنازل لهم السلطان (العادل) عن الناصرة، وكانت بقية من أهل مملكة بيت المقدس الزائلة قد أقامت في عكا، واستمسكت بلقب (ملوك بيت المقدس)، فاعترف لهم به هذا (العادل) في ثلاث معاهدات... وحاول الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، أن يتحالف مع الصليبيين على عمّه (العادل)... وعندما أقبل الإمبراطور فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ونزل عكا سنة 1227 م، أسرع الملك (الكامل) سلطان مصر وتنازل له عن بيت المقدس وجزء من أرض فلسطين يمتد من الساحل إلى البلد المقدّس، ووقّع معاهدة بذلك في 18 شباط 1229 م، وفي سنة 1244 م تقدم أيوبي آخر هو الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فجعل للصليبيين الملكية الكاملة لبيت المقدس، وسلم لهم قبة الصخرة)(18).

ويعقب السيد الأمين على ذلك فيقول: (لم يكد صلاح الدين يموت، حتى استقل كل واحد من ورثته بما ورثه عن صلاح الدين، وتمزقت البلاد وفقدت وحدتها، وتشتت الشعب قطعاً قطعاً لا تربطها رابطة، ولم يقنع كل وارث بما ورثه، بل راح كل واحد منهم يطمع فيما في يد غيره، ويستعين على غريمه بالصليبيين، ففي سنة 638 هـ سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا وهونين وتبنين والشقيف، ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر، وفي سنة 625 هـ شباط 1229 م سلم الكامل والأشرف ولدا العادل – أخي صلاح الدين – القدس وما حولها، للملك الصليبي فريدريك الثاني، وسلماه معها الناصرة وبيت لحم وطريقاً يصل القدس وعكا، ليساعدهما على أقربائهما، ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله: (واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه)(19).

فماذا بقي لصلاح الدين هذا مما يمكن أن يتفاخر به مؤيدوه بتحرير القدس، وقد أدت تصرفاته الرعناء ومطامعه الشخصية، إلى أن يعود الصليبيون إلى القدس؟!.

إن هذه الحقائق عن مخازي صلاح الدين الأيوبي، لم ينفرد بها السيد الأمين ولم يخترعها من عند نفسه، وإنما انتزعها من بطون كتب التاريخ، وخاصة من المؤرخين الذين عاصروا صلاح الدين، والفترة التي تلت عصره، وكانوا من المقربين إليه والأثيرين عنده، وقام مشكوراً بجهد كبير ليكشف لنا هذه الحقائق الناصعة، مأخوذة من مؤرخين لا يرقى الشك إلى ولائهم لصلاح الدين، وبالتالي إلى صدق ماكتبوه عنه وعن ورثته، من مثل العماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين بن شداد، وابن الأثير وابن كثير والنعمان بن محمد، والمقريزي وابن القلانسي ومن إليهم، ونقله عنهم بعد ذلك جمع كثير من المؤرخين المعاصرين، منهم الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف، والدكتور حسين مؤنس، وسواهم.

• ختام البحث:

هذا هو صلاح الدين الأيوبي، وهذه هي شخصيته الحقيقية كما أفصح عنها التاريخ، لم يكن مجاهداً إسلامياً، ولا بطلاً قومياً عربياً، وإنما كان مجرد طالبٍ لسلطة، وطامع بملك، وقد نالهما عبر مراحل طويلة من خداعه للمسلمين والعرب، فباسم الجهاد سالم الصليبيين بل وتحالف معهم، وباسم الجهاد قاتل شعوباً إسلامية، وقضى على دول إسلامية في مصر واليمن وسواهما، وكان قاسياً جداً لدرجة الوحشية مع المسلمين الذين يحكمهم، ومتسامحاً لدرجة مريبة جداً مع اليهود والصليبيين.

ولا بأس أن ننقل في هذا الختام، حديث الدكتور حسين مؤنس عن سيرة صلاح الدين مع الشعب، والمعاملة السيئة والقاسية التي كان هو وعماله يعاملون بها الناس: (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجرٌ إلاّ قصم الجُباةُ ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار إلاّ أُنذر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقفها الجُباةُ، ولا بدت سنبلة قمح إلاّ استقرّت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامـه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(20).

هذا هو صلاح الدين الأيوبي على حقيقته الكاملة، ولكن الناس خدّرتهم أنباء الفتوحات المزيفة والبطولات الموهومة، فلم يعودوا يميزون بين الغث والثمين، ولا بين الصدف والجوهر، وكل هذا بفضل التعتيم المستمر على حوادث التاريخ، والتزوير المخطط من قبل حواشي السلاطين.

أضف إلى ذلك، أن الناس عندما يهبطون إلى درك من الضعف والعجز، يحاولون أن يفتشوا عن بطولات لهم في التاريخ، وعندما لا يجد هؤلاء لهم أبطالاً حقيقيين، لا يضيرهم أن يستظلوا تحت سقف أبطال مزيفين، ولا يكتفون بذلك بل يجعلون منهم أبطالاً أسطوريين، يقاتلون طواحين الهواء باسمهم وتحت راياتهم، ولله في خلقه شؤون، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

1- كتاب: (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) للسيد حسـن الأمين ص 144، ومن الطريف أن (العادل) وهو أخو صلاح الدين ومندوبه الذي فاوض الصليبيين، حاول إغراء ريتشارد قلب الأسد ملك الإنكليز أن يزوجه أخته فتتوحد المصالح وتمتزج الأهداف. المصدر السابق ص 124- 125 ينقله عن: (الفتح القسي في الفتح القدسي) للعماد الأصفهاني.

2- انظر في المدن التي نزل عنها صلاح الدين للصليبيين كتاب (الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة) ص 173- 184 وص 259 لقاضي صلاح الدين بهاء الدين بن شداد.

3- الدكتور حسين مؤنس: (أطلس تاريخ العالم) ص 269.

3أ- يقول المقدسي المعروف بأبي شامة في (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين)- أي النورية والصلاحية -: ( فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين، يأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة، ويولّيه بعد عمّه)، ويقول ابن شدّاد في (النوادر السلطانية): ( وشكر- أي صلاح الدين- نعمة ربّه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو)، ويذكر ذلك أيضاً: ابن العديم في (زبدة الحلب في تاريخ حلب)، وأبو الفداء في تاريخه، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وسواهم، ويعلق السيد حسن الأمين على ذلك بقوله: (وإذا كان هؤلاء قد اعترفوا، بأن صلاح الدين كان سِكّيراً مدمناً على الخمر قبل تولّيه الوزارة، فالله وحده يعلم هل تاب أولا ). انظر (صلاح الدين الأيوبي بين الفاطميين والعباسيين والصليبيين) للسيد الأمين ص 185 - 186.

4- للوقوف على تفاصيل المراسلات بين الخليفة الناصر العباسي وبين صلاح الدين، يراجع كتاب (الفتح القسّي في الفتح القدسي) لعماد الدين الأصفهاني الذي كان من حاشية صلاح الدين ومن أقرب المقربين إليه، وكان يرافقه في حله وترحاله، ويسجل ما يحلو له تسجيله من وقائع وأحوال صلاح الدين.

5- صلاح الدين الأيوبي للسيد الأمين ص 117- 118.

6- كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية) القسم الثاني من الجزء الأول ص 58، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة. وذكر مثله ابن الأثير وابن النديم وسواهما من المؤرخين.

7- السيد الأمين المصدر سابق ص 158 – 159.

8- المصدر السابق ص 118.

9- انظر نص الرسالة في كتاب العماد الأصفهاني المتقدم ذكره.

10- للوقوف على تفاصيل مفاوضات صلاح الدين مع الصليبيين وصولاً إلى عقد الهدنة وإحلال السلام بينهما، ورسائل صلاح الدين إلى الخليفة الناصر يمكن الـرجوع إلى كتاب: (الفتح القسّي في الفتح القدسي) لعماد الدين الأصفهاني.

11- الأمين المصدر السابق ص 122- 123.

12- للوقوف على تفاصيل هذه الحروب التي انتهت بهزيمة البيزنطيين، يمكن العودة إلى كتاب (المعز لدين الله) للأستاذين: الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف، وكتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان بن محمد، وكتاب (خطط الشام) للمقريزي، وكتاب ابن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق.

13- انظر الموسوعة اليهودية ج 14 ص 669 التي افتتحت هذا الكلام بقولها: (كان موقف صلاح الدين من اليهود والمسيحيين شديد التسامح).

14- 178 Zeitlin, Mimonades,.

15- الدكتور الطرابيشي: (معجم الفلاسفة) ص 32.

16- السيد الأمين المصدر السابق ص 130.

17 و 18 - السيد الأمين المصدر السابق ص 130- 131.

19- السيد الأمين المصدر سابق ص 131- 132.

20- مجلة (الثقافة) العدد 462، انظر الأمين ص 164.