‏إظهار الرسائل ذات التسميات هذا هو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هذا هو. إظهار كافة الرسائل

الأحد، أكتوبر 18، 2009

معاوية لعنة الله عليه اللعن الصريح لمعاوية بن أبي سفيان بالسند الصحيح

دائما ما نجد خوارج هذا العصر يحاولون بشتى الوسائل والطرق أن يتستروا على البلايا التاريخية التي تنقض مذهبهم من قواعده

عثرت على هذا القول في أحد المواقع لشيخهم مقبل الوادعي فيما يخص تلاعن الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان

قال الشيخ مقبل الوادعي -: "أما اللعن فلم نجده في شيء من كتب السنة المعتمدة بعد البحث الطويل، وأما الدعاء عليهم فقد صح عنه رضي الله عنه: قال ابن أبي شيبه (2/137): حدثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، قال: حدثنا عبد الرحمن بن معقل: قال: صليت مع علي صلاة الغداة؛ فقنت، فقال في قنوته: اللهم عليك بمعاوية وأشياعه، وعمرو بن العاص وأشياعه، وأبا الأعور السلمي وأشياعه، وعبدالله بن قيس وأشياعه، قال البيهقي (2/204) وقد أخرج بعضه: صحيح مشهور، وهو كما قال من حيث الصحة؛ فهو على شرط الشيخين" اهـ كلام الشيخ مقبل

والرواية في المصنف كما ذكرها الوادعي

مصنف ابن أبي شيبة - (ج 2 / ص 216)
حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين قال حدثنا عبد الرحمن بن معقل قال صليت مع علي صلاة الغداة قال فقنت فقال في قنوته اللهم عليك بمعاوية وأشياعه وعمرو بن العاص وأشياعه وأبا السلمي (وأشياعه) وعبد الله بن قيس وأشياعه.

ولكن هل فعلا لا أثر للعن في كتب السنة المعتمدة ؟ وبعد البحث الطويل أيضا ؟


يقول الطبري في كتابه تهذيب الآثار

تهذيب الآثار للطبري - (ج 6 / ص 118)
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن خالد ، عن عبد الرحمن بن معقل ، قال : صليت خلف علي المغرب ، فلما رفع رأسه من الركعة الثالثة ، قال : « اللهم العن فلانا وفلانا وأبا فلان وأبا فلان » ، قال الأعمش : وكان معنا أبو بردة ، فاستحييت أن أذكر أبا فلان ، فقال أبو بردة : وأبو فلان كان فيهم


سند الرواية :

1- عيسى بن عثمان بن عيسى

قال النسائى : صالح .
قال ابن حجر : صدوق

2- يحيى بن عيسى

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبى عنه ، فقال : كوفى ، سكن الرملة ، مر بالكوفة حاجا ، ما أقرب حديثه
و قال العجلى : ثقة ، و كان فيه تشيع .
و قال مسلمة : لا بأس به ، و فيه ضعف .
قال ابن حجر : صدوق يخطىء و رمى بالتشيع

3- الأعمش (غني عن التعريف)

قال ابن حجر : ثقة حافظ عارف بالقراءات ، ورع ، لكنه يدلس

4- عبد الله بن خالد

وثقه الفسوي وسيأتي

5- عبد الرحمن بن معقل


قال أبو زرعة : كوفى ثقة .
قال ابن حجر : ثقة تكلموا فى روايته عن أبيه لصغره

ولكن مشكلة الرواية إبهام الأسماء

ملاحظة : أبو بردة الذي استحيى منه الأعمش هو ابن أبي موسى الأشعري

فلنتابع



تهذيب الآثار للطبري - (ج 6 / ص 119)
حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، قال : أخبرنا إسحاق يعني الأزرق ، عن شريك ، عن حصين ، عن عبد الرحمن بن معقل المزني ، قال : صليت مع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه الفجر ، « فقنت على سبعة نفر : منهم فلان وفلان وأبو فلان وأبو فلان »

سند الرواية :

1- تميم بن المنتصر

قال النسائى فى أسماء شيوخه : ثقة .
قال أبو داود : صحيح الكتاب ، ضابط متقن
قال ابن حجر : ثقة ضابط

2- إسحاق الأزرق

قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : إسحاق ـ يعنى الأزرق ـ و عباد بن العوام و يزيد كتبوا عن شريك بواسط من كتابه . قال : قدم عليهم فى حفر نهر
و كان شريك رجلا له عقل يحدث بعقله . قال أحمد : سماع هؤلاء أصح عنه . قيل :
إسحاق الأزرق ثقة ؟ قال : إى والله ثقة .
و قال يعقوب بن شيبة فى حديث رواه معاوية بن هشام عن شريك : و كان من أعلمهم بحديث شريك هو و إسحاق الأزرق .
قال ابن حجر : ثقة

3- شريك بن عبد الله النخعي


قال ابن حجر : صدوق يخطىء كثيرا ، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة ، و كان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع


أقول : تغير حفظه لا يضر فإسحاق من أعلم الناس بحديثه

4- حصين بن عبد الرحمن


قال أبو حاتم ، عن أحمد بن حنبل : حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون من كبار أصحاب الحديث .
و قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت أبا زرعة عنه ، فقال : ثقة . قلت : يحتج بحديثه ؟ قال : إى و الله .
قال ابن حجر : ثقة تغير حفظه فى الآخر

5- وعبد الرحمن بن معقل قد سبقت ترجمته

أقول :

قد ظهرت لنا المعضلة السابقة حيث أن الملعونون هنا قد تم إبهام أسمائهم أيضا

فمن هؤلاء ؟

لعل الأسماء قد صرح بها الطبري في تاريخه

يقول الطبري في الجزء الرابع من تاريخه


تاريخ الطبري - (ج 4 / ص 52)
فكان أبو موسى يقول حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الامة ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الاعور السلمى وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا وابن عباس والاشتر وحسنا وحسينا

فهل هؤلاء هم من لعنهم أمير المؤمنين في صلاته ؟


قد جاء في رواية شريك عن حصين أنهم سبعة نفر فلنحسب الأسماء هنا لعلهم سبعة أيضا

1- معاوية

2- عمرو بن العاص

3- أبو الأعور السلمي

4- حبيب بن مسلمة الفهري

5- عبد الرحمن بن خالد

6- الضحاك بن قيس

7- الوليد


هم سبعة فعلا


لنكمل

المعرفة والتاريخ - (ج 1 / ص 402)
حدثنا قبيصة بن عقبة أبو عامر السوائي قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن عبد الله بن خالد العنسي، ثقة، مشهور بالكوفة، كوفي، روى الأعمش عنه عن عبد الرحمن عن عبد الله بن معقل: أن علياً قنت يلعن فلاناً وفلاناً.


والآن هل بقيت قيمة لما قاله الشيخ الوادعي أنه لم يجد اللعن في كتب السنة المعتمدة ؟

بل وحتى ابن تيمية قد اعترف أن اللعن قد تم

منهاج السنة النبوية - (ج 4 / ص 271)
وأما ما ذكره من لعن علي فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم وهؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم وقيل إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان وهذا كله سواء كان ذنبا أو اجتهادا مخطئا أو مصيبا فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك

الوادعي : لم نجده

فكيف وجده شيخك يا شيخ مقبل ؟

وأي توبة تتحدث عنها يا ابن عبد الحليم والرجل يلعن أمير المؤمنين والحسن والحسين

نختم بهذه الرواية الصحيحة عن ابن عباس

السنن الكبرى للبيهقي - (ج 5 / ص 113)
(أخبرنا) أبو الحسن محمد بن الحسين العلوى أنبأ عبد الله بن محمد بن الحسين ابن الشرقي ثنا على بن سعيد النسوي ثنا خالد بن مخلد ثنا على بن صالح عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال كنا عند ابن عباس بعرفة فقال يا سعيد مالى لاأسمع الناس يلبون فقلت يخافون معاوية فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال لبيك اللهم لبيك وان رغم انف معاوية اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض على رضى الله عنه

فلماذا يغضب خوارج هذه الأمة عندما نلعن من لعنهم أمير المؤمنين ولعنهم ابن عباس ؟


وإذا كان خالهم معاوية مجتهد مأجور فلماذا يلعنه أمير المؤمنين بل وابن عباس ؟


أم أنكم أعلم بالمجتهدين من أمير المؤمنين ؟


سؤال بريء ؟

الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

حقائق عن فساد الدين الأيوبي لعنة الله عليه ج2

صلاح الدين الأيوبي بين الخيانة والغدر والإدمان على الخمر
الأستاذ إبراهيم محمد جواد


بعد أن انتهيت من إعداد الدراسة التاريخية عن صلاح الدين الأيوبي، وجدت أنه لا تزال هناك بعض الملاحظات الهامة، التي لا ينبغي إغفالها لمن يريد أن يستكمل الصورة الحقيقية لهذه الأسطورة، التي ألبسوها ثوب البطولة زوراً وبهتاناً، فكان لابد من هذا التذييل.

خيانة صلاح الدين وغدره بأولياء نعمته
أولاً- خيانته للخليفة الفاطمي العاضد:

يقول السيد حسن الأمين: (في عام 564هـ كان الصليبيون يهددون مصر (الفاطمية) ويتحفزون للوثوب عليها، بعد أن خبروا أحوالها قبل ذلك في أحداث ليس هنا مكان سرد تفاصيلها، فرأى الخليفة الفاطمي (العاضد)، أن لا قبل لمصر بمدافعة الصليبيين، لكثافة قواهم وتفوقها على القوى المصرية، فتجلّت وطنيته على أبرز صورها، فتناسى ما بينه وبين الآخرين من أوتار، وتجاهل ما يحملونه له من عداوة، وأغضى عما طالما بيتوه له ولأسرته من تآمر، وصمم على الاستنجاد بالقوى الإسلامية خارج مصر، مهما كان في هذا الاستنجاد من مخاطر عليه وعلى أسرته.

ورأى أن أقرب القوى إليه هي في الشام، وفيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وكان الصليبيون زحفوا على عسقلان، حتى وصلوا إلى بلبيس فاحتلوها وفتكوا بأهلها، ثم مشوا إلى القاهرة وحاصروها، فتقرر إحراق مدينة الفسطاط المتصلة بالقاهرة، خوفاً عليها من الصليبيين، فأحرقت وظلت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، ولعوامل عديدة، فك الصليبيون الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا، ولكن الخطر مازال جاثماً، فكرر العاضد الاستنجاد بنور الدين، وأرسل في كتب الاستنجاد شعور النساء وقال له: (هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهنّ من الفرنج)(1).

ولم يكتفِ، بل بذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون قائد النجدة مقيماً عنده في عسكره، وأن يقطعه خارجاً عن الثلث الذي لنور الدين.

فقرر نور الدين تلبية الطلب، فأرسل حملة مؤلفة من ثمانية آلاف فارس، بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين، ... وجاءت الحملة إلى مصر حيث لقيت ترحيباً وابتهاجاً، وفعل العاضد أكثر من الترحيب، فأناط الحكم بأسد الدين شيركوه وجعله وزيراً له، ولكنه لم يلبث في الوزارة إلاّ شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة، وتطلع إلى الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين، وكان التزاحم بينهم شديداً، ولكن العاضد آثر عليهم جميعاً صلاح الدين.

يقول أبو شامة في كتابه (الروضتين): (فأرسل الخليفة (العاضد) إلى صلاح الدين، فأمره بالحضور إلى قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمّه).(2)

وهكذا أمدّ الخليفة (العاضد) وزيره صلاح الدين بالقوة، ووضع في يده أسبابها، ومكّن له في الحكم، استعداداً للدفاع في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الكرّة على مصر، ثم للهجوم عليهم فيما احتلوه من بلاد، وقد صحّ ما توقعه (العاضد)، فقد وصل الصليبيون في ربيع الأول سنة 565هـ.

يقول المقريزي: (فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليها زيادة على 550 ألف دينار، فأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوماً، وكانت صعبة شديدة ...إلى أن رحل الصليبيون عن دمياط ...، يضيف المقريزي: (وكان صلاح الدين يقول ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إليّ مدة إقامة الفرنج على دمياط ألف ألف دينار، سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها)(3).

ويقول يحيى بن أبي طي الحلبي، في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين، واصفاً المدى الذي بلغته محبة العاضد لصلاح الدين: (وبلغ من محبته له، أنه كان يدخل إلى القصر راكباً، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة، لا يُعلَمُ أين مقرّه... وحكّمه في ماله وبلاده، فحسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية، ثم إنهم فارقوه وصاروا إلى الشام)(4).

ويقول صاحب كتاب (الروضتين): (إن العاضد أحب صلاح الدين محبة عظيمة)، ويقول عنه في مكان آخر، أنه لما تولى صلاح الدين الوزارة، مال إليه العاضد وحكّمه في ماله وبلاده)(5).

ولم يترك (العاضد) وسيلة تشيد بصلاح الدين، وترفع من شأنه وتزيد في تكريمه إلاّ اتّبعها، من ذلك أنه لما ارتحل (نجم الدين أيوب) والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته، وسار إلى القاهرة، ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به، وخلع العاضد عليه ولقّبه (الملك الأفضل)، وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا، كما يقول ابن أبي طي في كتابه السابق الذكر(6).

فكيف تُرى خلفه صلاح الدين في ماله وبلاده؟.. وكيف قابل نجم الدين كرمه وأريحيته وحسن استقباله؟!. لقد كان (العاضد) في وادٍ، وصلاح الدين وأبوه نجم الدين في واد آخر، ووطنية العاضد التي جعلته يستنجد بهم، ويضع سلطته وبلاده تحت تصرفهم، لم تمنعهم من التآمر عليه وعلى دولته.

كانت الخطة قد وضعت قديماً في الشام، بين نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، وصلاح الدين ونجم الدين عالمان بها، وذلك بأن تكون النجدة لا لإنقاذ البلاد مـن الصليبيين، بل للقضاء علـى العاضد ودولته، واستغلال الخطر الصليبي على مصر، وانشغال العاضد به لتنفيذها.

وهكذا يكون العاضد ودولته قد نكبا، وراحا ضحية مطامع نور الدين زنكي، وخيانات صلاح الدين وأبيه من طرف، ومن طرف آخر، إخلاص العاضد للإسلام، ووطنيته تجاه بلده مصر، وإيثاره الاستنجاد بإخوته المسلمين، بدلاً من التفاوض مع الصليبيين والرضوخ إلى ابتزازهم والنزول عند شروطهم، كما فعل صلاح الدين، وكثير غيره من الحكام والسلاطين المسلمين.

يقول المقريزي عن صلاح الدين: (واستبدّ بالأمور، ومنع العاضد من التصرف، ثم يقول: وصلاح الدين يوالي الطلب منه كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من القصر البتة)(7).

والأنكى من ذلك، أن صلاح الدين الذي كان يتحدث عن كرم العاضد وحسن رفادته وضيافته، قد قابل كرم العاضد وحبه الشديد له بالجحود والنكران، فيقول المقريزي: وعاد فكثر القول عن صلاح الدين وأصحابه في ذم العاضد(8).

يقول أبو شامة في الروضتين: (إن صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد - وهو الخليفة بها -، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك الفاضل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً... واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة لـه، فاستشار الأمراء، كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم مـن أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلاّ أنه لم يمكنه إلاّ امتثال أمر نور الدين، وكان قد دخل مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، وقد رأيناه بالموصل كثيراً، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا ابتدئ به(9).

وهكذا، فبعد انقضاء سنتين فقط على وصول شيركوه وصلاح الدين إلى مصر، كافأوا العاضد بالقضاء عليه وعلى دولته، ولم تدخل سنة 567هـ حتى (استفتحها صلاح الدين بإقامة الخطبة في مصر لبني العباس)، كما يقول صاحب كتاب (الروضتين)، والخليفة العاضد لا يزال حياً(10).

ثانياً - خيانته لولي نعمته نور الدين:

كان نور الدين زنكي قد عزم على التخلص من الصليبيين والقضاء عليهم، وبنى خطته على أن يزحف هو من الشام، ويزحف صلاح الدين من مصر، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين، وسار صلاح الدين كما يقول ابن العديم في الجزء الثاني من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب): (فنازل حصن الشوبك وحصره... فلما سمع نور الدين بذلك، سار من دمشق ليدخل بلاد الإفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر صلاح الدين، إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب، ملك بلاد الإفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت هاهنا، فلا بد من الاجتماع به، ويبقى هو المتحكم فيك يما يشاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك إلى مصر)(11).

ولزيادة البيان، ورفع بعض اللبس في النص المتقدم، فقد كرر ابن العديم الرواية في مكان آخر قائلاً: (واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل منهما من جهة، وتواعدا على يوم معلوم أن يتفقا على قتال الإفرنج، وأيهما سبق أقام للآخر منتظراً أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل الكرك فحصره، وسار نور الدين فوصل الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان، فخاف صلاح الدين واتفق رأيه ورأي أهله على العودة إلى مصر)(12).

ويبدو جلياً أن صلاح الدين لم يتوقع النصر السريع على الصليبيين، لذلك زحف متجهاً إلى الكرك، فلما بدت طلائع النصر نكص على عقبيه، مؤثراً الاحتماء من نور الدين بالصليبيين، على معاضدة نور الدين عليهم، فاضطر نور الدين إلى الرجوع غاضباً على صلاح الدين، لإخلاله بخطة نور الدين التي كانا قد اتفقا عليها.

ولم يكن نور الدين بالذي يفوته قصد صلاح الدين من نكوصه عن تنفيذ ذلك الاتفاق، فعزم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه، كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم، ونكتفي هنا بنص أبي شامة إذ يقول: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر، لأخذها من صلاح الدين، لأنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر، فإنه- صلاح الدين - كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، ولا يؤثر استئصالهم)(13).

ويتابع أبو شامة كلامه قائلاً: وكان نور الدين لا يرى إلاّ الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه، تجهز بالسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يُرَد)(14)، ولولا الموت الذي وافى نور الدين قبل تنفيذ عزمه، لكان تم تأديب صلاح الدين على يديه، وأقل ما كان يناله منه هو القتل، لأنه هو وحده جزاء من يحتمي بأعداء الأمة.



ثالثاً- خيانته للخليفة الناصر العباسي:

كان الخليفة العباسي الناصر، قد تخلص في بغداد من سيطرة السلاجقة، واستقلّ عنهم برقعة كبيرة من الأرض الإسلامية، وكما يقول ابن كثير (استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة والخليفة على الملوك والممالك)(15) ، ولقد بنى فيها جيشاً قوياً، وعزم على أن يرسل جيشه هذا إلى فلسطين، للتعاون مع جيش صلاح الدين على تحرير ما لم يتحرر من الأرض الإسلامية من الصليبيين، فأرسل يستأذن صلاح الدين، فرفض قدوم جيش الخلافة، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له.

ويصف العماد الموقف بعد ذلك بقوله: (ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقاً، وطلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقاً، واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل، وقالوا: هذا – أي صلاح الدين - يزعم أنه يقلب الدولة ويغلب الصولة، وأنه يُنعَت بالملك الناصر، نعتَ الإمام الناصر، و يُدِلُّ بماله من القوة العسكرية)(16)"، ويبدو أن تلك السعايات لم تنبت من فراغ، فقد كان صلاح الدين يمنّ في مجالسه الخاصة على الخليفة العباسي بقضائه على الدولة الفاطمية، وربما كان يلوّح بالقوة والغلبة، وما إلى ذلك مما نقله السعاة لإثارة حفيظة الخليفة على صلاح الدين.

ولما بلغ الخليفة هذا الرفض، مع كل ما نقل إليه عن صلاح الدين، أرسل مبعوثاً وصل في شهر شوال من سنة 583هـ - أي بعد فتح القدس بثلاثة أشهر فقط - مع رسالة شديدة اللهجة، مملوءة بالتعنيف لصلاح الدين(17)، فتظاهر هذا بالسكوت، ولكنه راح يعرض الرسالة على من سماهم (أكابر القوم)، ونجح أسلوب صلاح الدين كما يقول العماد، في دفع أولئك الأكابر إلى نقد تلك الرسالة بعنف مماثل، وإلى تحريض صلاح الدين على التمرد على الخليفة، وهذا هو عين ما كان يبيته صلاح الدين في نفسه ويمهد له، ليكون هؤلاء مستعدين بل متحمسين لقتال جيش الخليفة إذا جاء إلى فلسطين.

ورأى صلاح الدين أن من الحكمة أن يؤخر الصدام بالخليفة، وأن لا يعجّل باستفزازه قبل أن يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وبادر على الفور إلى التفاوض سراً مع الصليبيين

لعقد هدنة تنهي الحروب بينهما، وتتيح له التحالف معهم لقتال العدو المشترك (خليفة المسلمين) الذي لم تكن يومئذ خلافة شرعية لسواه.

وغني عن البيان أن هذه الخيانات الثلاث: للخليفة الفاطمي (العاضد)، والخليفة العباسي ( الناصر)، والسلطان الأيوبي (نور الدين زنكي)، تعتبر خيانة عظمى للإسلام والمسلمين في ذلك الحين، عدا عن أن مجرد وقف الحرب ضد الصليبيين قبل إخراجهم من بلاد المسلمين، وتحريرها من نير سلطانهم واحتلالهم الغاشم، يعتبر بحد ذاته خيانة عظمى لا جزاء لها إلاّ القتل، فكيف بالتحالف معهم ضد المسلمين وخليفتهم الشرعي؟!.

عنف صلاح الدين وبطشه

ما أن قويت سلطة صلاح الدين على الخليفة الفاطمي العاضد، واستتبّ له الأمر في مصر بعد التآمر عليه وقطع الخطبة له وإقامتها لبني العباس، حتى أقدم صلاح الدين على جريمة لم يسبق لحاكم أن أقدم على مثلها أبداً، حتى في أشد العصور طغياناً وهمجيةً وظلماً(18)، (فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر، ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا...) يقول العماد: (وهم إلى الآن محصورون محسّرون لم يظهروا)(19)، ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم، وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين، ومن ذلك ما قاله العماد الأصفهاني في قصيدة بذيئة طويلة:

عاد حريم الأعداء منتهك الحمى وفيء الطغــاة مقتَسَمـــا

ثم عمد صلاح الدين إلى المذهب الجعفري فأبطله وحرّم تدريسه ومنع الناس من العمل به، ومال على أشياعه وأتباعه فأوقع فيهم القتل والحرق والتشريد، وقد وصف عبد الرحيم بن علي البيساني قاضي صلاح الدين، الملقب بالقاضي الفاضل، ولم يكن في الواقع فاضلاً، بل كان من الوصوليين الانتهازيين المنافقين، عبيد كل سلطة، وعملاء كل حكومة، وصف وضع الشيعة بعد العاضد بقوله: (... والمَذَلَّة في شيع الضلال شائعة، ومُزِّقوا كل ممزَّق، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريداً وقتلاً)(20).

ومن الذين قتلهم صلاح الدين، وحفظ لنا التاريخ أسماءهم رغم كل محاولات الطمس والإخفاء، الشاعر عمارة اليمني، الذي عاش في مصر وأدرك أواخر الدولة الفاطمية، ورغم أنه لم يكن على مذهب الفاطميين، ولكنه كان منصفاً مخلصاً للحق، معترفاً بالفضل لأهله، وحيث أنه رأى بأم عينيه فضائل الفاطميين ومحاسنهم، ولمس بنفسه مخازي الأيوبيين ومساوئهم، وما ارتكبوه فيهم من جرائم، فرثى الدولة الفاطمية أشجى رثاء في قصيدته اللامية التي مطلعها:

رميتَ يا دهرُ كفَّ المجدِ بالشللِ وجيدَه بعد حسن الحَلْيِ ِ بالعطَلِ

وختمها بقوله:

والله مازِلتُ عن حبي لهم أبـداً ما أخّرَ اللهُ لي في مدة الأجـــلِ(21)

وبسبب هذه القصيدة الصادقة، قُتِلَ هذا الشاعر الفاضل الوفي يرحمه الله، الذي طبع على النبل والوفاء، وتُمُحلت له الذنوب(22).

وفي موقف آخر، اتفق أن اجتمع هذا الشاعر الوفي،عند نجم الدين أيوب – والد صلاح الدين - مع شاعر آخر، هو أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصيبة، في قصر اللؤلؤة الذي كان يقيم فيه، وكان من أحسن قصور الفاطميين، فأنشد ابن أبي حصيبة نجم الدين قصيدة منها:

يا مالك الأرض لا أرضى لها طرفاً منها وما كان منها لم يكن طرفــــا

قـد عجّل الله هذي الدار تسكنهــــا وقـد أُعدّت لك الجنات والغرفـــــا

تشرفت بـك عمـن كان يسكنهــــــا فالبس بها العز ولتلبس بك الشرفا

كانوا بها صَـدفاً والـدار لؤلـــــــؤةٌ وأنت لؤلؤةٌ صـارت لها صـَدفــــــا

فعزّ على عمارة هذا الغمز بالفاطميين، ولم يسكت على هذا الغمط لحقهم، والغض من مكانتهم، فقام يرد عليه بكل جرأة وشجاعة قائلاً:

أثمتَ يا من هجا السادات والخُلَفا وقلـتَ ماقلتَه فـي ثلبهم سـخَـفا

جعلتَهم صـدفاً حَلّوا بلـؤلـؤةٍ والعُرفُ مازال سُكنى اللؤلؤ الصدفـا

وإنما هـي دارٌ حـلّ جوهرهم فيها وشـفّ فأسـناها الـذي وصفـــــا

إلى آخر هذه القصيدة الارتجالية الرائعة، التي علّق عليها المقريزي بقوله: (فلله دَرُّ عمارةَ، لقد قام بحق الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته، لا جرم أنه قُتل في واجب من يهوى، كما هي سنّة المحبين، فالله يرحمه ويتجاوز عنه)(23).

على أن أفجع الفواجع ما لحق خزانة الكتب، التي (كانت من الضخامة بحيث أنها ضمّت (600) ألف كتاب مخطوط، ثم ما لبثت أن أُنشئت دار الحكمة القاهرية، وهي لم تكن أرففاً لاحتواء الكتب فقط، ولكنها كانت تضم جيوشاً من المترجمين والعلماء والنسّاخين، وكانت بذلك جامعة متخصصة لإنتاج الكتب)(24)، هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي تعب الفاطميون في جمعها، وأنفقوا من الأموال ما أنفقوا في الحفاظ عليها، أصابها من صلاح الدين ما أصاب الفاطميين أنفسهم، ومثلما شهد العصر الفاطمي ازدهار المكتبات القاهرية، شهدت بداية عصر صلاح الدين انهيارها بفعل النهب والحرق واللامبالاة(25).

يصف الدكتور محمد كامل حسين كيف أُحرق ورقُ كتب هذه المكتبات، وأخذ العبيد والإماء جلودها لعمل ما يلبسونه في أرجلهم، والذي بقي فيها مما لم يحرق، سفت عليه الرياحُ الترابَ، فصارت تلالاً باقية تعرف بتلال الكتب(26)، ثم يقول: (وكذلك ضاعت كنوز الفاطميين بيد التعصب الممقوت)، ويختم كلامه بالقول: (ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر، سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يبق منه إلاّ اسم الشاعر أحياناً إن قُدِّر لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري، لتعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد أحرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر)(27)، فإذا كان هذا فعلُهم في الشعر، فما بالك بما فعلوا في الفكر؟!.

ويقول ابن أبي طي في وصف ما حلّ بهذه المكتبة الكبرى: (ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا)(28)، لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، ويقال أنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة(29).

ويقول العماد الأصفهاني في ذلك: (وفيها من الخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي، وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام، يتصرف بها بشرَه الانتهاب والالتهام)(30)، وهكذا شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباء منثوراً، وأتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها في مكتبة قط، وهل فعل التتار والمغول في مكتبات بغداد أكثر مما فعله صلاح الدين هذا بخزانة كتب القاهرة ومكتباتها؟.

ورغم أن نور الدين كان ولي نعمته، وهو الذي رشحه للوزارة لدى العاضد بعد وفاة أسد الدين شيركوه، إلاّ أنه لم يسلم من تنكّر صلاح الدين له والتنمر عليه في حياته، والاحتماء منه بالصليبيين، ثم القضاء على مملكته وضمها إليه بعد وفاته، لكنّ الأشد انتقاماً من نور الدين ما فعله مع ابنه (الملك الصالح).

لقد كان ابن نور الدين هذا مقيماً في حلب، وكان على صغر سنه محاطاً برعاية الحلبيين باعتباره ملكهم المقبل بعد أبيه، فكان أول ما فعله صلاح الدين بعد استيلائه على الشام، أن قصد إلى حلب للقضاء عليه.

يقول ابن الأثير: (لما ملك صلاح الدين حماة، سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح - وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة - وجمعَ أهل حلب وقال لهم: قد عرفتم إحسانَ أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم وقد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه، يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى ولا الخلق ... وبكى وأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه والمنع عن بلده)(31)، ولكن صلاح الدين تمكّن منه واعتقله وعاد به إلى دمشق، ولزيادة التشفي بنور الدين وولده، تزوج زوجة نور الدين، ودخل بها وبات عندها ليلة واحدة، وخرج بعد يومين إلى مصر(32)، لقد شفت الليلة غيظه، وانتقم من نور الدين انتقام الأنذال(33).

ولا تسل بعد ذلك عن المجازر التي أوقعها صلاح الدين بأهل حلب، ولا عن الحرائق التي استهدفت منابر العلم ودور الكتب، ولا عن الإعدامات التي كانت تنتظر العلماء والحكماء، مما ملأ بطون كتب التاريخ، وكان على رأسهم جميعاً، الفيلسوف الإشراقي العظيم، شهاب الدين بن يحيى السهروردي(34) ، الذي قُتل عام 1191م خنقاً بوتر، وقيل بالسيف، وقيل سوى ذلك، وكان الفيلسوف السهروردي من أكبر علماء عصره(35)، ولا تسل كذلك عن الضرائب الباهظة والمقتطعات التي أثقلت كاهل جميع المسلمين من أهل حلب في تلك الحقبة السوداء.

وحسبك للوقوف على طريقة معاملته للشعب الذي كان يحكمه صلاح الدين، ما كتبه عنه الدكتور حسين مؤنس، وهو من أشد المتحمسين للدفاع عن صلاح الدين الأيوبي، قال: (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجر إلاّ قصم الجُباة ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار، إلاّ أُنذِر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقّفها الجباة، ولا سنبلة قمح إلاّ استقرت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(36).

ولا غرابة بعد هذا كله أن تعلم أن ولاته وعماله هم جميعاً من أمثال (قراقوش)، الذي خلّفه والياً على مصر، ليتفرغ هو لاحتلال الشام، والقضاء على ملك نور الدين زنكي، والتشفي منه.

إدمانه على الخمر وانصرافه إلى اللهو واللعب

رغم جنوح المؤرخين غالباً، إلى تجنب الخوض في الأمور الشخصية والأهواء النفسية، للحكام والسلاطين الذين يؤرخون لهم، إيثاراً للسلامة، وخوفاً من الوقوع تحت غضب هؤلاء السلاطين وخلفائهم، والانتقام منهم بالحرمان والملاحقة والقتل والتشريد، فإن بعض رشحات أقلام هؤلاء المؤرخين، أعطتنا بعض الضوء للولوج إلى بعض تلك الأهواء والممارسات.

ومن هذه الرشحات ما صرّح به كمال الدين بن العديم، في الجزء الثاني من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب)، حيث قال: فأرسل العاضد إلى صلاح الدين وأحضره عنده، وولاّه الوزارة بعد عمّه، وخلع عليه ولقّبه بالملك الناصر، فاستتبت أحواله وبذل المال وتاب عن شرب الخمر(37).

على أن القاضي ابن شدّاد، الذي كان من المؤرخين الذين أشادوا كثيراً بصلاح الدين، أضاف إضافة مهمة حين قال: وشكر نعمة الله فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو(38)، ويعقب السيد الأمين على ذلك بقوله: وإذا كان أنصار صلاح الدين قد اعترفوا بأنه كان سِكِّيراً خِميِّراً قبل توليه الوزارة، فالله وحده يعلم ما إذا كان قد تاب أم لا(39)، لاسيما إذا عرفنا أنه لم يكن يومذاك – كما هو اليوم – مصحات لمعالجة المدمنين وإعادتهم إلى الصواب، فالمدمن يومذاك لا علاج لإدمانه، ويبدو أن إدمان شرب الخمر، كان متأصلاً في الأسرة الأيوبية، فالأفضل بن صلاح الدين وخليفته في دمشق (أقبل على شرب المسكر واللهو واللعب)(40)، والله وحده يعلم كذلك، ما كان يجري من مخازٍ ومعاصٍ في مجالس اللهو واللعب التي كان صلاح الدين وابنه الأفضل عاكفين عليها.

ميله إلى النصرانية وأثر اليهودية عليه

فيما يتعلق بالجانب الأول وهو ميله إلى النصرانية، يقول الدكتور لويس بوزيه معلّقاً على ما قرأه في المصادر الفرنجية القديمة: (رأت هذه المصادر القديمة الفرنجية أن يكون صلاح الدين قد قُلِّدَ بمراسيم الفروسية المسيحية، وأن اسم صلاح الدين في صيغته الفرنسية Saladin لا يزال يطلق حتى اليوم على أعضاء بعض الأسر النبيلة الفرنسية، وكان لنا الحظ ونحن نحرر هذه المحاضرة، أن نعثر على إعلان وفاة في عدد من جريدة Le Figaro بتاريخ 22 تشرين الثاني 1993م، يذكر فيه اسم المتوفى كالآتي:

(Marie Bernard Saladin , Marquise, Montmorillon ، وحسب بعض الروايات المسيحية أن صلاح الدين كان يعجب بالطقوس الدينية المسيحية، وأن ما منعه من اعتناق الدين المسيحي ليس معتقدات هذا الدين بالذات - إذ أظهر إعجابه به - بل التصرفات السيئة لبعض الذين يمارسونها، وأنه صرّح أن الديانة المسيحية هـي خير الديانات، وأنه كان له ميل إلى الديانة المسيحية وإن لم يعتنقها في النهاية)، ويتابع الدكتور: (إن صلاح الدين حسب هذه الروايات، كان ينحدر من أسرة نبيلة فرنسية، من نبلاء شمالي فرنسا Sires De Ponthieu وذلك من خلال شجرة نسب أسطورية، نجد فيها أن جدّة السلطان الأسيرة الجميلة La Belle Captive هي حفيدة الأمير Ponthieu الذي أصبح نفسه بالتالي الجد الخامس لصلاح الدين، وعلى قول أحد هذه المصادر القديمة: كان صلاح الدين تركياً، ولكن يجري في عروقه من جهة أمه وجدته الدم الفرنسي النبيل).

ويختم الدكتور هذه المقاطع بقوله: (نستخلص من كل ما سبق، أن صلاح الدين قد أصبح في تصور هذه المصادر القديمة، أحد هؤلاء الفرنج المثاليين، يتحلى بفضائلهم السامية وخصالهم التقليدية من كرم وشجاعة)(41)0

ويقول الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي، عضو هيئة التدريس بقسم التاريخ والحضارة بجامعة الإمام محمد بن سعود: (إن هناك أنشودة قديمة ألفها (سيراكون) في القرن الثاني عشر الميلادي، تتكون من مائة وخمسين بيتاً،عثر على مخطوطتها عام 1875م المؤرخ (ستينجل) في مكتبة (أوكسفورد)، ويهمنا هنا أن هذه القصيدة تصف صلاح الدين بأنه شبه نصراني)(42).

ونحب أن نضيف هنا شيئاً عن مباركة صلاح الدين لمحاولة أخيه (العادل) الزواج من أخت الملك الصليبي الإنكليزي (ريشارد قلب الأسد)، وفي هذا الصدد يقول عماد الدين الأصفهاني مؤرخ صلاح الدين في كتابه (الفتح القسي في الفتح القدسي): (وصلت رسل ملك الإنكليز ريكاردوس أو ريتشارد قلب الأسد إلى (العادل) بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ بالمهاداة والترك للمعاداة، والمظاهرة بالمصاهرة، وترددت الرسل أياما وقصدت التئاماً، وكادت تحدث انتظاماً، واستقرّ تزوج الملك العادل بأخت ملك الإنكليز، وأن يعوَّل عليهما من الجانبين في التدبير، على أن يُحَكَّمَ العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد، وتكون الامرأة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في أوجها، ويرضي العادل مقدَّمي الفرنج والداويَّة والأسبتار ببعض القرى، ولا يمكنهم مـن الحصون والذُّرا، ولا يقيم معها في القـدس إلاّ قسّيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان)0

ويضيف بعد ذلك موضحاً رضى صلاح الدين بتلك الخطة: (واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد، وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد، ...وقال لنا: تمضون إلى السلطان وتخبرونه عن هذا الشان، وتسألونه أن يحكِّمني في تلك البلاد، وأنا أبذل فيها ما في وسع الاجتهاد، ... فلما جئنا إلى السلطان، عرف الصوابَ وما أخّر الجواب، وشهدنا عليه بالرضى)(43).

لكن ملك الإنكليز اعتذر فيما بعد (بامتناع أخته، وأنه في معالجتها وتعرُّفِ رضاها في وقته)(44).

ورغم أنه من الصعب أن يصدق المرء شيئاً من هذه الروايات، فإنه من الصعب كذلك الركون إلى نفيها دون دليل قاطع، اللهم سوى استصحاب الحال السابق الشائع بين الناس.

وكذلك فإنه من العسير جدا، تفسير تسامح صلاح الدين مع الصليبيين، وتخاذله عن مواصلة الجهاد ضدهم، بل والتحالف معهم، بكونه نصرانياً أو شبه نصراني، بينما يسهل تفسير تبجيل الفرنجة لصلاح الدين بأنه يعود في أقل تقدير إلى مهادنته للصليبيين، وتنازله لهم عن كل فلسطين عدا القدس، وبذلك أحال هزيمتهم إلى نصر، كما قام بنفسه بتمزيق البلاد الإسلامية، بلاد أعداء الصليبيين وأضعفها، وحال دون قيام الدولة العربية الكبرى، معضودة بالعالم الإسلامي، مما مهّد لعودة القدس، وكثير من مدن فلسطين ولبنان وسوريا إليهم أيضاً، وبقوا مسيطرين على تلك البلاد فترة طويلة بعد ذلك 0

أما الجانب الثاني، وهو أثر اليهودية على نفسية وتصرفات صلاح الدين، فهو الآخر ذو شؤون وشجون، فلقد كان لموسى بن ميمون(45) نفوذ غير محدود، على صلاح الدين وحاشيته وأمرائه، ولقد (اختير طبيباً لنور الدين علي، أكبر أبناء صلاح الدين، والقاضي الفاضل البيساني وزير صلاح الدين(46)، الذي لم يكن له من صفات الفضل شيء على الإطلاق، والذي أصبح بنفاقه وتملقه الحاكم الفعلي لمصر بعد مغادرة صلاح الدين لها عام 1174م.

كان لشهرة ابن ميمون الطبية، الدور الأبرز في لفت أنظار البلاط الأيوبي إليه، والتي (أتاحت له أن يجمع بين رعاية السلطان صلاح الدين، ورعاية نخبة المجتمع القاهري)(47)، ولقد استطاع ابن ميمون في ظل هذه الرعاية أن يحظى بمكانة رفيعة جداً عند صلاح الدين وحاشيته، لدرجة أنه تزوج من شقيقة (ابن المالي)، أحد مستشاري السلطان، وزوّج شقيقته لابن المالي، ولدرجة أن صلاح الدين رفض طلب أحد القضاة عام 1187م، إنزال عقوبة القتل به باعتباره مرتداً عن الإسلام، ركوناً إلى حجة وزيره الذي كان صديقاً حميماً لابن ميمون، وقوله أن الرجل الذي أُرغم على اعتناق الإسلام، لا يمكن أن يعتبر مرتداً بحق(48).

والذي يلفت النظر ويشد الانتباه حقاً، أن صلاح الدين الذي أصر على إعدام الفيلسوف (شيخ الإشراق) والإمام الشافعي المذهب، شهاب الدين بن يحيى السهروردي، متهماً إياه بالخروج عن الدين، غض الطرْف تماماً عن موسى بن ميمون، الذي نشر في الشهر ذاته مقالة في بعث الموتى، وعبّر فيها عن تشككه في عقيدة الخلود الجسمي، كما أصمّ أذنيه أيضاً عن تسفيه عبد اللطيف البغدادي لابن ميمون بعد صدور كتابه (دليل الحائرين)، واتهامه له بأنه (يهدم أركان جميع الأديان، بالوسائل نفسها التي يخيل إلى الناس أنه يدعمها بها)(49).

موسى بن ميمون هذا:

(استخدم نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر)(50).

(ولما فتح صلاح الدين فلسطين، أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد، وابتناء كُنُس ومدارس)(51).

3-كان الحكم الشيعي في اليمن، يخير اليهود بين القتل أو الإسلام، فلما علموا بالنفوذ الذي يتمتع به موسى بن ميمون عند صلاح الدين، لجأوا إليه عام 1172م، فاستجاب لمطلبهم، وكتب لهم ما سمي (بالرسالة اليمنية)، وطلب من الحاخام (نتانئيل الفيومي) إرسال نسخة عن هذه الرسالة إلى كل الجماعات في اليمن.

ورغم أن الموسوعة اليهودية، لم تكشف النقاب عن كل محتويات الرسالة، فلقد كانت هذه الرسالة بمثابة رسالة الأمل بالنسبة إلى يهود اليمن، لدرجة أنهم أدخلوا في القوديش صلاة (لأجل نفس معلمنا موسى بن ميمون).

وما أسرع ما تحقق هذا الأمل على يدي ابن ميمون، عندما اجتاح الأيوبيون اليمن عام 1173م، أي بعد وصول رسالة ابن ميمون هذه بأشهر معدودة، حيث رفع السيف عن رقاب اليهود في اليمن، ووضع في رقاب المسلمين، وتم تخفيف الضرائب عن كاهل اليهود، وأُثقل بها كاهل المسلمين(52).

كانت هذه بعض أهم النقاط سوءاً في سيرة صلاح الدين الأيوبي، تعرضنا لها بشيء من الإيجاز، وأعرضنا عن البعض الآخر روماً للاختصار.



الهوامش:

1- (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) للسيد حسن الأمين ص 184، ( انظر (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 391 وما بعدها من طبعة 1962، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة.

2- السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 184- 185.

3- خطط المقريزي ج 1 ص 215.

4- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 167- 168.

5- المصدر السابق ص 186.

6- المصدر السابق ص 168.

7- خطط المقريزي ج 1 ص 358- 359.

8- المصدر السابق.

9- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 187- 188.

10- المصدر السابق ص 168.

11- المصدر السابق ص 191.

12- المصدر السابق.

13- (الروضتين في أخبار الدولتين)، القسم الثاني من الجزء الأول ص 58 وما يليها، ابن الأثير في الكامل ج 11 ص 371.

14- المصدر السابق.

15- (البداية والنهاية) ج 13 ص 11.

16- العماد الأصفهاني في (الفتح القسي في الفتح القدسي) ص 183 وما بعدها ( انظر الأمين ( مصدر سابق ) ص 116- 117.

17- تفصيل المراسلات والمفاوضات بين الخليفة وصلاح الدين، مبسوطة في كتاب عماد الدين الأصفهاني: (الفتح القسي في الفتح القدسي)، وأخبار الرسالة العنيفة المنوه عنها تجدها على ص 183 وما بعدها، ويذكر العماد أن صلاح الدين قد وصف تلك الرسالة بأنها (ألفاظ فظاظ وأسجاع غلاظ...قد كان أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظاً وأرفق).

18- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169.

19- ويحدّد المقريزي في خططه عددهم بعشرة آلاف شريف وشريفة ( ج 1 ص 497 )، وقال ابن عبد الظاهر أن حبسهم على هذا الشكل استمرّ حتى انقرضت الدولة الأيوبية ومُلكُ الأتراك إلى أن تسلطن الظاهر ركن الدين بيبرس.. البندقداري، فلما كان في سنة 660هـ أشهد على من بقي منهم بطردهم، بعد أن أصبحوا كما يقول المقريزي (كهولاً مرضى لا أمل منهم ولا بشفائهم).

20- السيد الأمين ( مصدر سابق) ص 68.

21- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 66.

22- (خطط المقريزي) ج 22 ص 496 ناقلاً قول ابن سعد الذي يضيف قائلاً عن القصيدة: (لم يُسمعْ فيما يُكتب في دولة بعد انقراضها أحسن منها).

23- الخطط ج 21 ص 469

24- الدكتور محمد الرميحي، مجلة العربي، العدد 426، أيار 1994م ص 22.

25- المقريزي ج 2 ص 255، ينقل ذلك عن ابن طي.

26- المصدر السابق.

27- المصدر السابق.

28- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 26- 27.

29- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 169.

30- المصدر السابق.

31- كتاب (الروضتين) ج 2 ص 676.

32- ابن العديم في الجزء الثالث من كتابه (زبدة الحلب في تاريخ حلب) ص 667.

33- السيد حسن الأمين (مصدر سابق) ص 203.

34- ياقوت الحموي في: (معجم الأدباء). (انظر السيد الأمين – مصدر سابق- ص 148-149).

35- (وفيات الأعيان) لابن خلكان.

36- مجلة (الثقافة) العدد 462 (السيد الأمين - مصدر سابق - ص 164).

37- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 166.

38- (النوادر السلطانية) ص 32- 33 ، وذكر مثل ذلك كل من أبي الفداء في تاريخه، والذهبي في (سير أعلام النبلاء) ج 22 ص 279 و 22/ 282.

39- السيد الأمين ( مصدر سابق) ص 166.

40- ابن كثير في (البداية والنهاية) ج 13 ص 9.

41- هذه بعض مقاطع مهمة من خطاب الدكتور الأب لويس بوزيه الفرنسي، الذي ألقاه في (مؤتمر صلاح الدين الأيوبي) المنعقد في بيروت في شهر نيسان من عام 1994م، نقلاً عن كتاب السيد الأمين (مصدر سابق) ص 212، وهذا المؤتمر أريد له أن يكون انتصاراً لصلاح الدين، فأبى الله سبحانه إلاّ أن يزيده افتضاحاً على ألسنة مؤيديه أنفسهم.

42- جريدة (الشرق الأوسط) السعودية التي تصدر من لندن، العدد الصادر بتاريخ 26/5/1995والأعداد التي تليه.

43- السيد الأمين (مصدر سابق) ص 124- 125.

44- المصدر السابق ص 126.

45- موسى بن ميمون واحد من أعظم الشخصيات اليهودية على الإطلاق، كما تقول الموسوعة اليهودية، وهو أشهر شخصية يهودية في الحقبة المابعد تلمودية، وقد احتفلت مدينة تل أبيب في إسرائيل بمرور 800 سنة على وفاة ابن ميمون، فأنشأت مكتبة خاصة به، وقد عاش في بلاط صلاح الدين طبيب يهودي آخر، هو هبة الله بن جميع . ( انظر مجلة الرسالة العدد 110).

46- وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.

47- جورج طرابيشي (معجم الفلاسفة) ص 31.

48- Islam Arnold preaching of, , 421.

49- وول ديورانت (قصة الحضارة) ج 14 ص 121.

50- الموسوعة اليهودية ج 14 ص 669.

51- المصدر السابق، وقد ذكر ذلك الدكتور الطرابيشي في (معجم الفلاسفة) ص 32، قال: بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصورة عامة.

52- لمعرفة المزيد عن ابن ميمون وعلاقته بصلاح الدين، يراجع كتاب (صلاح الدين الأيوبي) للسيد حسن الأمين ص132- 140.

حقائق عن فساد الدين الأيوبي لعنة الله عليه ج1

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن أعدائهم

صلاح الدين الأيوبي بين الأسطورة والواقع
الأستاذ إبراهيم محمد جواد


مقدمـة:

يحار المرء في الوصول إلى حقيقة شخصية صلاح الدين، وسبر أغوار نفسيته المقلقلة، خاصة وهو بطل معركة حطّين، التي انتهت في الرابع من تموز عام 1187 م بتحرير القدس من أيدي الصليبيين، وتحقيق نصر مؤزر عليهم.

ولكن المنصف إذا أبحر بعمق، في سفينة المؤرخ والمفكر الكبير السيد حسن الأمين عبر كتابه ( صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين)، يمكن أن يصل إلى شاطئ فيه الكثير من الصور واللوحات، التي تعبر إن لم يكن عن كل الحقيقة فعن أكثرها جلاء في حياة هذا الرجل.

يقول السيد الأمين أن صلاح الدين الأيوبي (لم يكد يطمئن إلى النصر الرائع في تلك المعركة، حتى أسرع إلى القيام بعمل لا يكاد الإنسان يصدقه، لولا أنه يقرأ بعينيه تفاصيله الواضحة، فيما سجله مؤرخو تلك الحقبة، المؤرخون الذين خدرت عقولهم روائع استرداد القدس، فذهلوا عما بعده، لم تتخدر أقلامهم فسجلوا الحقائق كما هـي، وظل تخدير العقول متواصلاً من جيل إلى جيل، تتعامى حتى عما هـو كالشمس الطالعة، حصل بعد حطين أن صلاح الدين الأيوبي آثر الراحة بعد العناء، والتسليم بعد التمرد، فأسرع يطلب إلى الإفرنج إنهاء حالة الحرب وإحلال السلام )(1).

ولكي يتوصل صلاح الدين إلى إحلال السلام وإنهاء حالة الحرب مع الصليبيين، رضخ بصورة مذهلة وغريبة إلى كل الشروط التي اشترطوها عليه أثناء المفاوضات، ومنها: التنازل للصليبيين عن الكثير من المدن التي كان صلاح الدين قد استردها منهم بالحرب00 حيفا - يافا – قيسارية – نصف اللد ونصف الرملة – عكا – صور – وسوى ذلك، حتى صارت لهم فلسطين إلاّ القليل(2).

إضافة إلى ماوراء ذلك من اعتراف بوجودهم وإقرار لاحتلالهم، ورفع العنت والمعاناة عن رقابهم الموضوعة تحت سيوف المجاهدين، وإعطائهم الفرصة الذهبية للراحة، والاستعداد التام للانقضاض على القدس من جديد، الأمر الذي حصل فعلاً بعد موت صلاح الدين.

ويقول الدكتور حسين مؤنس: (ثم دخلوا في مفاوضات مع صلاح الدين انتهت بعقد صلح (الرملة)، الذي نصّ على أن يترك صلاح الدين للصليبيين شريطاً من الساحل، يمتد من صور إلى يافا، وبهذا العمل عادت مملكة بيت المقدس – التي انتقلت إلى طرابلس – إلى القوة بعد أن كانت قد انتهت، وتمكن ملوكها من استعادة الساحل حتى بيروت ... وبذلك تكون معظم المكاسب التي حققها صلاح الدين – فيما عدا استعادته لبيت المقدس – قد ضاعت)(3).

• متى يكون الجنوح للسلم؟:

إنه لأمر غريب حقاً وعجيب جداً بل ومريب، أن يجنح إلى السلم قائد مظفر لجيش منتصر، ثم إن هذا الذي جنح إليه صلاح الدين، هل هو سلم أم استسلام؟!.

قال الله تعالى في محكم التنزيل (وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله)[سورة الأنفال: الآية 61].

يلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد اشترط في هذه الآية الكريمة، أن يجنح المعتدون أنفسهم إلى السلم، فيجنح إليه عندئذ المسلمون، وهذا يعني أن الهزيمة الأكيدة قد حاقت بالأعداء، ولاحت لهم بوادرها، فجبنوا عن متابعة الحرب، وجنحوا إلى طلب الصلح حفظاً على أرواحهم وأنفسهم، ولم يعودوا مؤهلين إلى تقديم شروط، وباتوا مستعدين للاستجابة للشروط التي يفرضها عليهم المسلمون، وغني عن البيان أن المسلمين بما هم مكلفون بتبليغ الإسلام إلى البشرية جمعاء، وبما هم مأمورون به من العدل والإنصاف، وتأليف قلوب الكفار ليسلموا لله ويؤمنوا بالحق الذي جاء من عنده، لن يشتطوا في شروطهم، ولن يجعلوها شروطاً تعجيزية مجحفة، بل سيقتصرون من الشروط على سبيل المثال لا الحصر على:

- فتح الطريق أمام حرية الدعاة في التبليغ ونشر نور الرسالة الربانية.

- استرداد الأسرى من المؤمنين – إن كان هناك أسرى – أو تبادلهم مع الأسرى من الكفار المقاتلين.

- الجلاء التام الكامل عن كل شبر من الأرض الإسلامية، التي دخلها الكفار أو احتلوها أثناء الحرب.

- وربما دفع جزية للمسلمين، حتى لا يفكر الكفار مستقبلاً في نقض هذه الشروط.

ولكن شيئاً من هذا لم يحصل بين صلاح الدين الأيوبي والصليبيين المعتدين، فما الذي حصل إذن؟:

1- إن صلاح الدين هو الذي طلب الصلح والهدنة، وبادر إليها رغم أنه المنتصر في معركة حطين التي انتهت بتحرير القدس.

2- الصليبيون استغلوا استغلالاً كبيراً هذه المبادرة السلمية من صلاح الدين، وفرضوا عليه شروطهم كاملة.

3- لم يحقق صلاح الدين أياً من مقتضيات الجنوح الإسلامي إلى السلم، فالصليبيون لا يزالون محتلين لمنطقة كبيرة جداً من البلاد الإسلامية.

4- وزاد من سوء هذا الجنوح إلى السلم تنازل صلاح الدين للصليبيين عن مناطق أخرى ومدن مهمة كانت في يد صلاح الدين.

كل هذا في الوقت الذي لم يكن فيه صلاح الدين في حالة ضعف أو تقهقر، بل كان في حالة عظيمة من الانتصار والتقدم والقوة، بل وكان الخليفة الناصر العباسي يلح عليه في أن يمده بجيش الخلافة، وكان ذلك إيذاناً بنصر كاسح على الصليبيين المعتدين، سيؤدي إلى طردهم خارج البلاد الإسلامية، والتنكيل بهم تنكيلاً يجعل الرعب يدب في قلوب من خلفهم من الكفار، بحيث لا يراودهم أي أمل ولو في مجرد التفكير مستقبلاً بالاعتداء على ديار المسلمين، طبقاً لقوله عز من قائل(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذّكرون)[سورة الأنفال: الآية 57].

• لماذا جنح صلاح الدين إلى السلام مع الصليبيين؟:

هنا لابد أن يثور في الفكر سؤال كبير، وبحث عن السبب الذي دفع صلاح الدين إلى إيقاف الحرب مع الصليبيين، والجنوح الشديد نحو مسالمتهم وعقد معاهدة الصلح معهم بهذا الشكل المريب، وهو السؤال الذي لم يبخل التاريخ بالإجابة عنه بصراحة ووضوح، ومن قبل أقرب المقربين من المؤرخين إلى صلاح الدين.

لو كان صلاح الدين مجاهداً في سبيل الله والإسلام، لالتزم بالتعاليم الإسلامية بشكل عام، وبالأحكام المتعلقة بالسلم والحرب بشكل خاص، وواقع الحال يؤكد غير ذلك(3أ).

ولو كان صلاح الدين بطلاً قومياً كما يدّعون له، لاختار أن يستمر في الحرب حتى يطهر الأرض العربية من رجس الغزاة المعتدين، ويكنس منها كل أثر للصليبيين، قبل أن يفكر بالخلود إلى الراحة والدعة، وموادعة أعداء الأمة، الرابضين في أهم مدنها وبقاعها، والجاثمين فوق صدور أبنائها.

• فماذا كان صلاح الدين الأيوبي إذن؟

إنه لا مفر أمامنا من الاعتراف، أن صلاح الدين الأيوبي ما هو إلاّ طالب لسلطة وملك حازهما بكل خسة ونذالة، وطامح لمجد شخصي ناله بالغدر والخيانة، ولم تكن الدواعي الإسلامية والدوافع القومية لتخطر على باله، أو لتحتل حيّزاً ولو صغيراً في قلبه.

ومن هنا فقط، نستطيع أن نفهم مبادرته لإيقاف الحرب، وسعيه الحثيث لعقد الصلح مع الصليبيين،ومحاولاته المتكررة لثني الخليفة العباسي الناصر عن إرسال أي جيش إلى فلسطين لمعاضدة صلاح الدين في قتال الصليبيين وطردهم من الديار الإسلامية(4).

كان نور الدين زنكي ولي نعمة صلاح الدين، قد طلب إليه أن يزحف من مصر، في حين يزحف نور الدين من الشام، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين مما يسهل القضاء عليهم، فأبى ذلك صلاح الدين، لأنه اعتقد أنه إذا زال الصليبيون أصبح تابعاً لنور الدين، ولما أدرك أن نور الدين عازم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدبه، احتمى منه بالصليبيين كما نص على ذلك ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وغيرهم(5).

يقول أبو شامة: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين، لأنه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الصليبيين، ليسير هو بعساكره إلى مصر، وكان المانع لصلاح الدين من الغزو، الخوف من نور الدين، فإنه كان يعتقد أن نور الدين، متى زال عن طريقه الفرنج، أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم )(6).

وياليت الله مدّ في عمر نور الدين ريثما يزيل هذا الجاحد للنعمة، المتخاذل عن النصرة، فيتغير بذلك وجه التاريخ، ولا يبقى للصليبيين أثر في البلاد الإسلامية، ولكن نور الدين أتاه أمر الله الذي لا يرد، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولتكون أمام صلاح الدين الفرصة ليعيد هذا الموقف نفسه مرة ثانية مع الخليفة الناصر العباسي، (ولتنكب الأمة نكبة أخرى بتمزيق صفوفها، وتوريث بلادها كما تورث القرى والمزارع لورثة صلاح الدين، فتعاد القدس التي سفكت دماء المسلمين في سبيل استردادها، تعاد بسبب ترتيبات صلاح الدين إلى الصليبيين)(7).

(هنا أيضاً وقف صلاح الدين الموقف نفسه من الخليفة الناصر، فرفض قدوم جيش الخلافة لقتال الصليبيين والقضاء عليهم، لأنه اعتقد أنه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له)(8).

وأمام الرسالة الأخيرة التي أرسلها الخليفة الناصر، والتي لم يفصح العماد الأصفهاني عن شيء من مضمونها، والتي استشعر صلاح الدين الشدة فيها، والإصرار على إرسال جيش قوي لطرد الصليبيين، قرر صلاح الدين في نفسه التمرد على الخليفة، إلى حد قتال جيشه لو جاء إلى فلسطين.

ولذلك فقد راح يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وخاصة بعدما جاءت الأخبار بقدوم حملة صليبية ألمانية كبيرة، اجتازت القسطنطينية وشقت طريقها في الأناضول، ودخلت مدينة قونيه وتحالفت مع الملك السلجوقي قلج أرسلان.

فمن جهة حاول صلاح الدين أن يلين للخليفة الناصر، ويطمئنه على قدرته على القيام وحده بواجب صد هذه الحملة وردها على أعقابها، فأوفد رسولاً إليه، وزوده برسالة يقول فيها: (00 والخادم منفرد في عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض، وهو واثق بأن بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأن الذي يستبعد مـن النصر القريب يتسق ويتسع بـه سلكه ومسلكه إن شـاء الله)(9).

ومن جهة ثانية، كان يوقع معاهدة الصلح والسلام مع الصليبيين، وينزل عند شروطهم، ويتنازل لهم عما كان في يده وتحت سلطانه من مدن فلسطين وغير فلسطين، ويتحالف معهم لقتال جيش الخليفة إن هو جاء إلى فلسطين.

فما أن تم له إنجاز هذا التحالف واستكمال متطلباته، حتى كتب إلى الخليفة معلناً رفض أمراء جيشه مواصلة القتال، وبالتالي تململهم من قدوم جيش الخليفة، لأن العسكر قد أنهكتهم الحرب حتى سئموا وملوا وضجروا وكلّوا(10).

على أن صلاح الدين الذي أبرم هذا الصلح مع الصليبيين أعداء الأمة الإسلامية، ورسم هذه الصورة الهزيلة لجيشه، زاعماً في رسالته للخليفة أن جيشه قد ملّ القتال وسئم الحرب، وغدا عاجزاً ضعيفاً عن مواصلة الكرّ والفرّ، كان يعدّ لحرب جديدة، ولكن لا لإنقاذ الوطن الإسلامي مـن خطر الصليبيين هذه المرة، وإنما لتوسيع رقعة مملكته الخاصة على حساب ممالك إسلامية أخرى، (لأن إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحد من نفوذه ويقلل من هيمنته، أما القتال في مناطق أخرى، فإنه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام، ولو أن المناطق التي عزم على القتال فيها، هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر، ولكن صلاح الدين الذي عزم على مسالمة الصليبيين وإنهاء الحرب معهم والتسليم بوجودهم، صلاح الدين هذا كان يخطط لغزو البلاد الإسلامية، وسفك دماء المسلمين، تحقيقاً لمطامعه الشخصية، عزم على ترك الصليبيين في أمان، واتجه لترويع المسلمين الآمنين)(11).

ويذكر ابن الأثير في تاريخه، وابن كثير في البداية والنهاية، أن صلاح الدين كان عازماً على أن يغزو بنفسه بلاد الأناضول، التي كانت وقتذاك بلاداً إسلامية، يحكمها أولاد قلج أرسلان السلجوقي، وأن يوجه أخاه (العادل) لغزو بلاد (خلاّط) والدخول منها إلى أذربيجان، ومن ثم بلاد العجم، لكن المنية عاجلت صلاح الدين، وحالت بينه وبين الإقدام على جريمة أخرى من جرائمه الكثيرة في حق الإسلام والمسلمين، كما حالت من قبل بين نور الدين زنكي وبين السير إلى مصر، لإنزال عقوبة الموت بصلاح الدين الذي نكل بوعده ونكص عن التوجه لقتال الصليبيين، حسب الخطة التي رسمها لـه نور الدين زنكي، وليُّ نعمته وصاحب الفضل الذي لا ينكر عليه.

• ما الذي فعله صلاح الدين؟:

وقبل أن نصل إلى ختام هذا البحث، نسأل أنفسنا والتاريخ هذا السؤال المهم عما فعله حقاً صلاح الدين، ونستنطق التاريخ فنجده يقول بكل صراحة:

1- قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية في مصر، وأباد المكتبات العظيمة التي أنشاؤها، وشتت الكتب التي سهروا طويلاً على جمعها وترتيبها، ووضعوها بين أيدي العلماء، لينهلوا من معينها الفياض، ونكّل بأتباعهم وأشياعهم بكل قسوة ووحشية.

هذه الدولة العظيمة، التي كانت طوال فترة حكمها، السدّ المنيع أمام أطماع الروم البيزنطيين، والحارس القوي اليقظ على ثغور دولة الإسلام، سواء في الشام بالمشرق، أو في إفريقيا بالمغرب، متابعة في ذلك الدور العظيم، الذي كانت تقوم به قبلها الدولة الحمدانية في حلب، بقيادة سيف الدولة الحمداني، والتي قضى عليها هي الأخرى أسياد صلاح الدين وآباؤه.

لقد كانت الدولة الفاطمية، في صراع دائم وثابت مع الروم البيزنطيين، ورغم كل الحشود الضخمة والجهود الحثيثة، والإصرار من قبل البيزنطيين للوصول إلى القدس، فإن الفاطميين استطاعوا بصمودهم وشجاعتهم صدّ هؤلاء عن القدس، بل عن كل البلاد الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء، وظلت الضربات الفاطمية تلاحقهم حتى ردتهم إلى أنطاكية، ولما حاق الفشل الذريع بالإمبراطور البيزنطي، عاد آيباً إلى القسطنطينية، حيث مات فيها مقهوراً في أوائل سنة 971 م (12).

2- اكتفى صلاح الدين بالنصر الذي حققه في معركة حطين، والتي انتهت بانتزاع القدس من أيدي الصليبيين، وبدلاً من متابعة الحرب، واضعاً يده في يد الخليفة الناصر العباسي حتى طرد الصليبيين من كافة الأرجاء والمدن الإسلامية، آثر مصلحته الشخصية في بسط نفوذه على بلاد الشام، وتمكين ملكه فيها، بعيداً عن نفوذ الخليفة، أو تدخله في شؤون تصريفه لأمور مملكته هذه.

ولتحقيق هذه الغاية بادر إلى مسالمة الصليبيين وموادعتهم، بل إلى التحالف معهم لقتال جيش الخلافة لو جاء إلى فلسطين، هذه المسالمة التي تنازل صلاح الدين مـن أجل الوصول إليها، عن معظم مدن فلسطين ولبنان للصليبيين، واعترف لهم بشرعية وجودهم فيها خلافاً لتعاليم الإسلام ورغبة المسلمين، بما فيهم الخليفة الناصر العباسي.

3- في عام 1190 م أصدر صلاح الدين مرسوماً دعا فيه اليهود إلى الاستيطان في القدس، وكان الصليبيون أثناء فترة احتلالهم للمدينة قد حظروا على اليهود الإقامة فيها، وحين زار الحاخام اليهودي (يهوذا بن سليمان الحريزي) (القدس عام 1216 م) وجد فيها جماعة يهودية معتبرة، مكونة من مهاجرين من فرنسا والمغرب وسكان عسقلان السابقين(13).

وترد الموسوعة اليهودية إصدار ذلك المرسوم، إلى نفوذ اليهودي موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين، فتقول بشكل صريح وواضح كل الوضوح: (استخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر، ولما فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس)(14).

ويشير الدكتور جورج طرابيشي إلى هذا النفوذ بقوله: (بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطن فيها وفي فلسطين بصفة عامة)(15).

وبهذا المرسوم انفتح الطريق منذ ذلك اليوم لقيام دولة إسرائيل، وما وصلت إليه في عصرنا الحاضر من طغيان وفساد في الأرض.

4- قبل أن يموت صلاح الدين، قام بتقسيم البلاد التي كان يحكمها بين ورثته على الشكل الذي يحدده ابن كثير كما يلي:

- مصر: لولده (العزيز عماد الدين أبي الفتح).

- (دمشق وما حولها) لولده (الأفضل نور الدين علي).

- (حلب وما إليها) لولده (الظاهر غازي غياث الدين).

- (الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة على قاطع الفرات) لأخيه (العادل).

- (حماه ومعاملة أخرى معها) لابن أخيه (الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر).

- (حمص والرحبة وغيرها) لابن عمه (أسد الدين بن شيركوه).

- (اليمن) جميعه بمعاقله ومخاليفه لأخيه (ظهير الدين سيف الإسلام طفتكين بن أيوب).

- (بعلبك وأعمالها) لابن أخيه (الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه).

- (بصرى وأعمالها) لـ (الظافر بن الناصر).

ويضيف ابن كثير بعد هذا النص قائلاً: (ثم شرعت الأمور بعد صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع الممالك)(16).

ويقول الدكتور حسين مؤنس واصفاً تلك القسمة: (قسم صلاح الدين الإمبراطورية ممالك بين أولاده واخوته وأبناء أخويه، كأنها ضيعة يملكها، لا وطناً عربياً إسلامياً ضخماً يملكه مواطنوه!)(17).

ثم يقول عما آل إليه الحال بين ورثة صلاح الدين: (عملوا أثناء تنافسهم بعضهم مع بعض، على منح (بقايا الصليبيين) في أنطاكية وطرابلس وعكا امتيازات جديدة، فتنازل لهم السلطان (العادل) عن الناصرة، وكانت بقية من أهل مملكة بيت المقدس الزائلة قد أقامت في عكا، واستمسكت بلقب (ملوك بيت المقدس)، فاعترف لهم به هذا (العادل) في ثلاث معاهدات... وحاول الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، أن يتحالف مع الصليبيين على عمّه (العادل)... وعندما أقبل الإمبراطور فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ونزل عكا سنة 1227 م، أسرع الملك (الكامل) سلطان مصر وتنازل له عن بيت المقدس وجزء من أرض فلسطين يمتد من الساحل إلى البلد المقدّس، ووقّع معاهدة بذلك في 18 شباط 1229 م، وفي سنة 1244 م تقدم أيوبي آخر هو الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فجعل للصليبيين الملكية الكاملة لبيت المقدس، وسلم لهم قبة الصخرة)(18).

ويعقب السيد الأمين على ذلك فيقول: (لم يكد صلاح الدين يموت، حتى استقل كل واحد من ورثته بما ورثه عن صلاح الدين، وتمزقت البلاد وفقدت وحدتها، وتشتت الشعب قطعاً قطعاً لا تربطها رابطة، ولم يقنع كل وارث بما ورثه، بل راح كل واحد منهم يطمع فيما في يد غيره، ويستعين على غريمه بالصليبيين، ففي سنة 638 هـ سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا وهونين وتبنين والشقيف، ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر، وفي سنة 625 هـ شباط 1229 م سلم الكامل والأشرف ولدا العادل – أخي صلاح الدين – القدس وما حولها، للملك الصليبي فريدريك الثاني، وسلماه معها الناصرة وبيت لحم وطريقاً يصل القدس وعكا، ليساعدهما على أقربائهما، ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله: (واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه)(19).

فماذا بقي لصلاح الدين هذا مما يمكن أن يتفاخر به مؤيدوه بتحرير القدس، وقد أدت تصرفاته الرعناء ومطامعه الشخصية، إلى أن يعود الصليبيون إلى القدس؟!.

إن هذه الحقائق عن مخازي صلاح الدين الأيوبي، لم ينفرد بها السيد الأمين ولم يخترعها من عند نفسه، وإنما انتزعها من بطون كتب التاريخ، وخاصة من المؤرخين الذين عاصروا صلاح الدين، والفترة التي تلت عصره، وكانوا من المقربين إليه والأثيرين عنده، وقام مشكوراً بجهد كبير ليكشف لنا هذه الحقائق الناصعة، مأخوذة من مؤرخين لا يرقى الشك إلى ولائهم لصلاح الدين، وبالتالي إلى صدق ماكتبوه عنه وعن ورثته، من مثل العماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين بن شداد، وابن الأثير وابن كثير والنعمان بن محمد، والمقريزي وابن القلانسي ومن إليهم، ونقله عنهم بعد ذلك جمع كثير من المؤرخين المعاصرين، منهم الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف، والدكتور حسين مؤنس، وسواهم.

• ختام البحث:

هذا هو صلاح الدين الأيوبي، وهذه هي شخصيته الحقيقية كما أفصح عنها التاريخ، لم يكن مجاهداً إسلامياً، ولا بطلاً قومياً عربياً، وإنما كان مجرد طالبٍ لسلطة، وطامع بملك، وقد نالهما عبر مراحل طويلة من خداعه للمسلمين والعرب، فباسم الجهاد سالم الصليبيين بل وتحالف معهم، وباسم الجهاد قاتل شعوباً إسلامية، وقضى على دول إسلامية في مصر واليمن وسواهما، وكان قاسياً جداً لدرجة الوحشية مع المسلمين الذين يحكمهم، ومتسامحاً لدرجة مريبة جداً مع اليهود والصليبيين.

ولا بأس أن ننقل في هذا الختام، حديث الدكتور حسين مؤنس عن سيرة صلاح الدين مع الشعب، والمعاملة السيئة والقاسية التي كان هو وعماله يعاملون بها الناس: (كانت مشاريعه ومطالبه متعددة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عماله من أقسى خلق الله على الناس، ما مرّ ببلده تاجرٌ إلاّ قصم الجُباةُ ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار إلاّ أُنذر بعذاب من رجال السلطان، وكان الفلاحون والضعفاء معه في جهد، ما أينعت في حقولهم ثمرة إلاّ تلقفها الجُباةُ، ولا بدت سنبلة قمح إلاّ استقرّت في خزائن السلطان، حتى أملق الناس في أيامـه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(20).

هذا هو صلاح الدين الأيوبي على حقيقته الكاملة، ولكن الناس خدّرتهم أنباء الفتوحات المزيفة والبطولات الموهومة، فلم يعودوا يميزون بين الغث والثمين، ولا بين الصدف والجوهر، وكل هذا بفضل التعتيم المستمر على حوادث التاريخ، والتزوير المخطط من قبل حواشي السلاطين.

أضف إلى ذلك، أن الناس عندما يهبطون إلى درك من الضعف والعجز، يحاولون أن يفتشوا عن بطولات لهم في التاريخ، وعندما لا يجد هؤلاء لهم أبطالاً حقيقيين، لا يضيرهم أن يستظلوا تحت سقف أبطال مزيفين، ولا يكتفون بذلك بل يجعلون منهم أبطالاً أسطوريين، يقاتلون طواحين الهواء باسمهم وتحت راياتهم، ولله في خلقه شؤون، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

1- كتاب: (صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين) للسيد حسـن الأمين ص 144، ومن الطريف أن (العادل) وهو أخو صلاح الدين ومندوبه الذي فاوض الصليبيين، حاول إغراء ريتشارد قلب الأسد ملك الإنكليز أن يزوجه أخته فتتوحد المصالح وتمتزج الأهداف. المصدر السابق ص 124- 125 ينقله عن: (الفتح القسي في الفتح القدسي) للعماد الأصفهاني.

2- انظر في المدن التي نزل عنها صلاح الدين للصليبيين كتاب (الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة) ص 173- 184 وص 259 لقاضي صلاح الدين بهاء الدين بن شداد.

3- الدكتور حسين مؤنس: (أطلس تاريخ العالم) ص 269.

3أ- يقول المقدسي المعروف بأبي شامة في (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين)- أي النورية والصلاحية -: ( فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين، يأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة، ويولّيه بعد عمّه)، ويقول ابن شدّاد في (النوادر السلطانية): ( وشكر- أي صلاح الدين- نعمة ربّه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو)، ويذكر ذلك أيضاً: ابن العديم في (زبدة الحلب في تاريخ حلب)، وأبو الفداء في تاريخه، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وسواهم، ويعلق السيد حسن الأمين على ذلك بقوله: (وإذا كان هؤلاء قد اعترفوا، بأن صلاح الدين كان سِكّيراً مدمناً على الخمر قبل تولّيه الوزارة، فالله وحده يعلم هل تاب أولا ). انظر (صلاح الدين الأيوبي بين الفاطميين والعباسيين والصليبيين) للسيد الأمين ص 185 - 186.

4- للوقوف على تفاصيل المراسلات بين الخليفة الناصر العباسي وبين صلاح الدين، يراجع كتاب (الفتح القسّي في الفتح القدسي) لعماد الدين الأصفهاني الذي كان من حاشية صلاح الدين ومن أقرب المقربين إليه، وكان يرافقه في حله وترحاله، ويسجل ما يحلو له تسجيله من وقائع وأحوال صلاح الدين.

5- صلاح الدين الأيوبي للسيد الأمين ص 117- 118.

6- كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية) القسم الثاني من الجزء الأول ص 58، لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة. وذكر مثله ابن الأثير وابن النديم وسواهما من المؤرخين.

7- السيد الأمين المصدر سابق ص 158 – 159.

8- المصدر السابق ص 118.

9- انظر نص الرسالة في كتاب العماد الأصفهاني المتقدم ذكره.

10- للوقوف على تفاصيل مفاوضات صلاح الدين مع الصليبيين وصولاً إلى عقد الهدنة وإحلال السلام بينهما، ورسائل صلاح الدين إلى الخليفة الناصر يمكن الـرجوع إلى كتاب: (الفتح القسّي في الفتح القدسي) لعماد الدين الأصفهاني.

11- الأمين المصدر السابق ص 122- 123.

12- للوقوف على تفاصيل هذه الحروب التي انتهت بهزيمة البيزنطيين، يمكن العودة إلى كتاب (المعز لدين الله) للأستاذين: الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف، وكتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان بن محمد، وكتاب (خطط الشام) للمقريزي، وكتاب ابن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق.

13- انظر الموسوعة اليهودية ج 14 ص 669 التي افتتحت هذا الكلام بقولها: (كان موقف صلاح الدين من اليهود والمسيحيين شديد التسامح).

14- 178 Zeitlin, Mimonades,.

15- الدكتور الطرابيشي: (معجم الفلاسفة) ص 32.

16- السيد الأمين المصدر السابق ص 130.

17 و 18 - السيد الأمين المصدر السابق ص 130- 131.

19- السيد الأمين المصدر سابق ص 131- 132.

20- مجلة (الثقافة) العدد 462، انظر الأمين ص 164.

السبت، نوفمبر 01، 2008

الشيعة في قلب التحديات الشرق اوسطية للرئيس الأمريكي المقبل








وكالة رويترز للانباء - راصد - اباء :
تنتظر تحديات كبيرة في السياسة الخارجية في الشرق الاوسط الرئيس الامريكي المقبل. وهذه بعض القضايا المتشابكة التي سيرثها الديمقراطي باراك اوباما او الجمهوري جون مكين من الرئيس جورج بوش.



العراق

لايزال العراق بعد خمس سنوات من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة غير مستقر للغاية رغم تحسن الامن.

وكانت زيادة مستويات القوات الامريكية في 08- 2007 من بين عوامل خفض العنف.

وتشمل عوامل اخرى تحول مدعوم امريكيا للمسلحين السابقين السنة الذين انقلبوا على حلفائهم القدامى في القاعدة ووقف اطلاق نار من جانب جيش المهدي التابع لرجل الدين الشيعي المناهض للولايات المتحدة مقتدى الصدر وتطهير عرقي وطائفي اعاد رسم خريطة بغداد السكانية.

واكد نزوح قسري حديث لما يصل الى 1500 عائلة مسيحية في شمال العراق هشاشة المكاسب الامنية.

ويتعلق الامر الان باتفاق امني حيوي تم التفاوض عليه مع الحكومة التي يقودها الشيعة تسمح للقوات الامريكية بالبقاء لثلاث سنوات اخرى.

ويريد العراق ادخال تغييرات على الاتفاق الذي قد يحل محل تفويض من مجلس الامن ينتهي بنهاية 2008.


ويقول كل من مكين واوباما بوجوب خفض القوات الامريكية لكن اوباما يفضل جدولا زمنيا لسحب جميع القوات المقاتلة بحلول منتصف 2010 بينما يعارض مكين جداول من هذا القبيل.

وقد يدفع تنامي ميل العراق لتأكيد وجوده والعداء تجاه الوجود الاجنبي وهو ما تشجعه ايران التي تعارض الاتفاق الامني مكين الى قبول جدول انسحاب مدته ثلاث سنوات وافقت عليه ادارة بوش بالفعل من حيث المبدأ.

وقد يجد اوباما صعوبة في الوفاء بتعهده بسحب القوات المقاتلة بحلول منتصف 2010 اذا انزلق العراق مجددا في فوضى دموية.

ويبقى ذلك ممكنا اذا لم تقتسم الفصائل الشيعية المهيمنة على سبيل المثال السلطة والموارد بشكل منصف مع العرب السنة واخرين واذا جاء رد فعل الاكراد غير متناسب خاصة في كركوك او اذا خرجت الصراعات المحلية عن السيطرة.


ايران

باتت طموحات ايران النووية ومواردها من الطاقة ونفوذها الاقليمي الذي اتسع نطاقه كثيرا جراء الحروب الامريكية التي اطاحت بأعداء الولايات المتحدة في افغانستان والعراق تؤثرعلى المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة.

وفشلت محاولات سابقة لعزل وتقويض الجمهورية الاسلامية. وقادتها المتشددون قبضتهم قوية في السلطة. ولم تردعها عقوبات الامم المتحدة والعقوبات الامريكية عن مواصلة العمل في برنامجها للطاقة النووية الذي تقول ايران انها تريده فقط لتوليد الكهرباء وليس لصنع قنابل.

وابقى بوش الخيارات العسكرية "على الطاولة" لكن معظم تركيزه العام الماضي انصب على الدبلوماسية الدولية لتشديد العقوبات.

ويبدو ان الازمة المالية العالمية قلصت من فرص اي هجوم استباقي امريكي او اسرائيلي في اي وقت قريب نظرا للاضطراب وتعطل الامدادات النفطية اللذين قد يترتبا على مثل هذا الهجوم.

ويقول مكين ان امريكا لن تقبل بامتلاك ايران لاسلحة نووية. وسخر من عرض اوباما لقاء الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي يواجه نفسه انتخابات في يونيو حزيران المقبل.

ويعد اوباما باستخدام القوة اذا هاجمت ايران اسرائيل او اي حليف اخر لكنه يقول ان تجنب طهران واعداء اخرين لبلاده لم يجد نفعا. فهل لحوار امريكي ايراني بدأ على استحياء في عهد بوش لكنه اقتصر على العراق ان يقلص تدريجيا 29 عاما من العداء المتبادل ويبني على مصالح مشتركة لتحقيق تسوية مؤقتة جديدة..

ويقول بعض المحللين ان القضية النووية والعداء الايراني الاسرائيلي يمثلان عقبتين كبيرتين امام مثل هذه التسوية لكن انفتاحا امريكيا على ايران قد يعزز اذا قابله انفتاح ايراني مماثل التعاون في ارساء الاستقرار في العراق وافغانستان وتهدئة الصراع الطائفي في المنطقة ومحاربة القاعدة وتطوير النفط والغاز الايرانيين.


سوريا

اظهرت غارة امريكية داخل سوريا ضد مهرب مزعوم للمسلحين الى العراق يوم الاحد ان ادارة بوش لا تزال على عدائها لدمشق رغم ان الجهود الامريكية لعزلها دوليا اضعفت حيث زار كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ومسؤول العلاقات الخارجية بالاتحاد الاوروبي خافيير سولانا سوريا في الشهرين الاخيرين.

ولاتزال سوريا متحالفة مع ايران وجماعات مناهضة لاسرائيل مثل حزب الله في لبنان وحماس لكن محادثاتها غير المباشرة مع اسرائيل خلال العام المنصرم تظهر اهتمامها باتفاق سلام سيتطلب التوصل اليه دعما قويا ومستمرا من الولايات المتحدة.

وفي انتكاسة اخرى لسياسة بوش حققت دمشق مكاسب في لبنان حيث يمتلك حزب الله وحلفاؤه سلطة الاعتراض في حكومة وحدة. ويفي تحرك سوريا باقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان بمطلب رئيسي للغرب وهو علامة واضحة على ثقة الرئيس السوري بشار الاسد.

وكثيرا ما المحت سوريا غير الابهة بالعقوبات الامريكية عن رغبتها في اقامة علاقات جيدة مع واشنطن وهي جائزة ربما لا يسبقها في القيمة بالنسبة لدمشق سوى استعادة هبضة الجولان المحتلة من اسرائيل.

ومن العقبات المحتملة لتقارب امريكي سوري مستقبلي الشكوك التي تبديها السعودية وهي حليف امريكي يشعر بان سوريا لم تفعل شيئا يذكر تستحق عليه هذه المكافأة.

وقد تسعى محكمة تابعة للامم المتحدة انشأت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري في 2005 لمحاكمة مسؤولين سوريين مهيأة الساحة لمواجهة دبلوماسية.

ويدعم اوباما على عكس مكين الحوار مع سوريا قائلا ان ذلك قد يساعد في استقرار المنطقة وسيوفر الامن لاسرائيل على نحو افضل.

ازمات محتملة

ومن الازمات المحتملة في الشرق الاوسط..

• انتقال السلطة في مصر حيث يحكم الرئيس حسني مبارك البالغ من العمر 80 عاما منذ 27 عاما بدون خليفة واضح.

• الخلافة في السعودية حيث يعتقد ان الملك عبد الله يناهز من العمر 85 عاما وولي عهده الامير سلطان 81 عاما.

• اندلاع توترات بين السنة والشيعية وتوترات طائفية اخرى في دول سكانها يتبعون مذاهب وديانات مختلفة مثل العراق ولبنان وسوريا وايران ومصر والسعودية والبحرين.

• عدم الاستقرار في لبنان وهي دولة ضعيفة يقف فيها حزب الله الشيعي وحلفاؤه بدعم من ايران وسوريا في مواجهة اتئلاف يقوده السنة وتؤيده السعودية والغرب.

• عدم الاستقرار في اليمن وهي دولة فقيرة لكنها ذات موقع استراتيجي على البحر الاحمر ومن بين مشكلاتها الكثيرة نشاط القاعدة.

الجمعة، أكتوبر 31، 2008

يصرح الشيخ محمود عاشور وكيل ألازهر سابقاً اصدار فتوى أنقسم علماء ألازهر بسببها

مصر : العربية

تسببت فتوى لداعية سعودي يجيز فيها ضرب الزوجة لزوجها دافعا عن النفس في خلق حالة من الجدل بين علماء الأزهر، حيث أيد بعض علماء الأزهر هذه الفتوى، بينما رفضها آخرون، ولكل فريق من هؤلاء العلماء حُجَجَهُ وأسانيده الشرعية.

ويناقش مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (أعلى هيئة شرعية في الأزهر) ، بحسب جريدة " الشرق الأوسط" ، خلال اجتماعه الشهري غداً برئاسة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي هذه المسألة لحسم الجدل حولها.

وأيد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشيخ عبد الحميد الأطرش هذه الفتوى مؤكداً أنه يجوز للزوجة شرعاً أن تضرب زوجها دفاعاً عن النفس، ولكل إنسان أن يدافع عن نفسه، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، أو عظيم وحقير، لأن الناس جميعاً أمام الله سواء، وإذا تعرض إنسان للضرب فلا يجوز له أن يسكت على ذلك.

وعلى الجانب الأخر، رفض الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية هذه الفتوى ووصفها بأنها " مدمرة للبنيان الأُسَرِي في الإسلام، واستبدال المودة والرحمة، التي جاء بها الإسلام، بالعنف والضرب".

وأضاف الشكعة " إن شريعة الإسلام لم تُبِحْ للزوج ضرب زوجته إلا ضربا معنويا للتأديب، وإلا تحول الأمر إلى عدوان على الحياة، وهذا يرفضه الإسلام ".

واتفق الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر مع ما ذهب إليه الدكتور الشكعة، مؤكداً " أن هذه الفتوى تعد دعوة لـ " خراب البيوت "، مضيفا أن الإسلام جاء بمنهج لعلاج الحياة الأسرية، فقد منع القرآن الكريم اللجوء إلى مثل هذه الأساليب.

ويرى الدكتور أحمد السايح، الأستاذ في كلية أصول الدين بجامعة الأزه أنه إذا كان الزوج سيئ العشرة، وقام بضرب زوجته فمن حق الزوجة شرعاً وقانوناً أن تدافع عن نفسها وأن تبادل عنف زوجها بعنف مثله دفاعا عن النفس، لأن المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات فالمرأة كالرجل في نظر الإسلام تماماً


تعليقي :
بدل مايقولوا زي ما موجود في القرآن الكريم ((َإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)) يقولوا الزوج يضرب زوجته وزوجته ترد عليه !!!

صحيح أصحاب العقول في راحة أو ممكن في ورا الحاجة !!!