‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرد على المخالفين مذهب أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليه). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرد على المخالفين مذهب أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليه). إظهار كافة الرسائل

الأحد، أكتوبر 05، 2008

خلاصة أقوال علماء الشيعة على تهمة تحريف القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن عدوهم



خلاصة ردود علماء الشيعة

صدرت عن علماء الشيعة ردود عديدة على تهمة القول بتحريف القرآن، نذكر خلاصة أفكارها بما يلي :



1 ــ أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة

فالشيعة ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية أو مجتمع مقفل، حتى يخفى قرآنهم الذي يعتقدون به ويقرؤونه. بل هم ملايين الناس وعشرات الملايين، يعيشون في أكثر بلاد العالم الإسلامي، وهذه بلادهم وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم وحوزاتهم العملية، لا تجد فيها إلا نسخة هذا القرآن.. ولو كانوا لا يعتقدون به ويعتقدون بغيره دونه أو معه، فلماذا يقرؤونه في بيوتهم ومراكزهم ومناسباتهم ولا يقرؤون غيره ؟ ولماذا يدرسونه ولا يدرسون غيره ؟!



2 ــ ومذهب التشيع مبني على التمسك بالقرآن والعترة



قام مذهب التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله على الإعتقاد بأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يوصي أمته بالتمسك بعده بالقرآن وعترة النبي، لأنه اختارهم للإمامة وقيادة الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وآله.



وحديث الثقلين حديث ثابت عند الشيعة والسنة، فقد رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 (عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن ادعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيهما ؟!).



وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق عند الطرفين بحيث أن أحد علماء الهند ألف في أسانيده وطرقه كتاب (عبقات الأنوار) من عدة مجلدات.



وعندما يقوم مذهب طائفة على التمسك بوصية النبي بالثقلي، الثقل الأكبر القرآن والثقل الأصغر أهل بيت نبيهم.. فكيف يصح اتهامهم بأنهم لايؤمنون بأحد ركني مذهبهم ؟!



إن مثل القرآن والعترة ــ الذين هم المفسرون للقرآن والمبلغون للسنة ــ في مذهبنا، كمثل الأوكسجين والهيدروجين، فبدون أحدهما لا يتحقق وجود مذهب التشيع..



ولم تقتصر تأكيدات النبي على التمسك بعترته على حديث الثقلين، بل كانت متكررة وممتدة طوال حياته الشريفة، وكان أولها مبكراً في مرحلة دعوة عشيرته الأقربين ــ التي يقفز عنها كتاب السيرة في عصرنا ويسمونها مرحلة دار الأرقم ــ يوم نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فجمع بني عبد المطلب ودعاهم الى الإسلام، وأعلن لهم أن علياً وزيره وخليفته من بعده !



قال السيد شرف الدين في المراجعات ص 187 (... فدعاهم الى دار عمه أبي طالب وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، والحديث في ذلك من صحاح السنن المأثورة، وفي آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا بني عبدالمطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها غير علي ــ وكان أصغرهم ــ إذ قام فقال : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ رسول الله برقبته وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع !) انتهى.



وتواصلت تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله بعد حديث الدار في مناسبات عديدة، كان منها حديث الثقلين، وكان منها تحديد من هم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس.. ثم كان أوجها أن أخذ البيعة من المسلمين لعلي في حجة الوداع في مكان يدعى غدير خم.. وقد روت ذلك مصادر الفريقين أيضاً، وألف أحد علماء الشيعة كتاب (الغدير) من عدة مجلدات في جمع أسانيده وما يتعلق به.



3 ــ والشيعة عندهم قاعدة عرض الأحاديث على القرآن



من مباحث أصول الفقه عند الشيعة والسنة : مسألة تعارض الأحاديث مع القرآن، وتعارض الأحاديث فيما بينها.. وفي كلتا المسألتين يتشدد الشيعة في ترجيح القرآن أكثر من إخوانهم السنة، فعلماء السنة مثلاً يجوزون نسخ آيات القرآن بالحديث حتى لو رواه صحابي واحد.. ولذلك صححوا موقف الخليفة أبي بكر السلبي من فاطمة الزهراء عليها السلام، حيث صادر منها (فدك) التي نحلها إياها النبي صلى الله عليه وآله وكانت بيدها في حياة أبيها، ثم منعها إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله بدعوى أنه سمع النبي يقول (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث) فما تركه النبي يكون صدقة بيد الدولة.. واحتجت عليه فاطمة الزهراء بالقرآن وقالت له كما روى النعماني المغربي في شرح الأخبار ج 3 ص 36 يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي..؟! لقد جئت شيئاً فَرِيَّا، فقال علماء السنة إن عمل أبي بكر صحيح، وآيات الإرث في القرآن منسوخة بالرواية التي رواها أبو بكر وحده، ولم يروها غيره !



أما إذا تعارض الحديثان فقد وضع علماء الأصول والحديث لذلك موازين لترجيح أحدهما على الآخر، ومن أولها عند الفريقين الأخذ بالحديث الموافق لكتاب الله تعالى وترك ما خالفه.. إلخ. وزاد علماء الشيعة على ذلك أنه بقطع النظر عن وجود التعارض بين الأحاديث أو عدم وجوده، فإنه يجب عرض كل حديث على كتاب الله تعالى، والأخذ بما وافقه إن استكمل بقية شروط القبول الأخرى، ورد ما خالفه وإن استجمع شروط القبول الأخرى، ورووا في ذلك روايات صحيحة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله.. ففي الكافي ج 1 ص 69 (عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.



عن أبي عبدالله عليه السلام قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال : أيها الناس ما جاء كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاء كم يخالف كتاب الله فلم أقله.



عن عبدالله بن أبي يعفور، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لانثق به؟ قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فالذي جاء كم به أولى به.



عن أيوب بن الحر قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف).



وفي تهذيب الأحكام للطوسي ج 7 ص 275 (... فهذان الخبران قد وردا شاذين مخالفين لظاهر كتاب الله، وكل حديث ورد هذا المورد فإنه لا يجوز العمل عليه، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا. وهذان الخبران مخالفان على ما ترى..) انتهى.



فكيف يتهم الشيعة بعدم الإعتقاد بالقرآن، والقرآن هو المقياس الأول في مذهبهم، وهم يخوضون معركة فكرية مع إخوانهم السنة ويكافحون من أجل تحكيم نصوص القرآن، وقد اشتهرت عنهم إشكالاتهم على اجتهادات الخلفاء في مقابل نص القرآن والسنة، ومازال علماء السنة الى عصرنا يسعون للإجابة على هذه الإشكالات !



4 ــ وتاريخ الشيعة وثقافتهم مبنيان على القرآن



والشيعة ليسوا طائفة مستحدثة، بل جذورهم ضاربة الى زمن النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان عدد من الصحابة يلتفون حول علي عليه السلام، فشجعهم النبي على ذلك، ومدحهم وأبلغهم مدح الله تعالى لهم، كما ترويه مصادر السنة والشيعة.. فقد روى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 379 في تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية فقال :



(وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليٌّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليٌّ قالوا : جاء خير البرية.



وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : عليٌّ خير البرية.



وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزلت: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.



وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم تسمع قول الله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، أنت وشيعتك. وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون غراً محجلين) انتهى.



فعليٌّ وشيعته كانوا وجوداً مميزاً في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وهم الذين كانوا مشغولين مع علي بجنازة النبي، عندما بادر الآخرون الى السقيفة ورتبوا بيعة أبي بكر، فأدان علي وفاطمة وشيعتهم هذا التصرف، واتخذوا موقف المعارضة.. وعندما بويع علي بالخلافة كانوا معه في مواجهة الإنحراف وتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقتال على تأويل القرآن.. ثم كانوا مع أبنائه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.. وعبر القرون كان الشيعة قطاعاً كبيراً حيوياً واسع الإمتداد في الأمة تمثل في مجتمعاتٍ ودولٍ، وتاريخٍ معروفٍ مدون.. وثقافتهم ومؤلفاتهم كثيرة وغزيرة، وقد كانت وما زالت في متناول الجميع، ومحورها كلها القرآن والسنة، ولا أثر فيها لوجود قرآن آخر !!



5 ــ وتفاسيرهم ومؤلفاتهم حول القرآن



يمكن القول بأن نسبة عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كانت خُمْس عدد الأمة الإسلامية، وبقية المذاهب السنية أربعة أخماس.. فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة مؤلفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الأخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنة..



وإذا لاحظنا ظروف الإضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون، نكون منصفين إذا توقعنا من علمائهم عُشْر ما ألفه إخوانهم السنة حول القرآن بل نصف العشر.. بينما نجد أن مؤلفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث !



وقد أحصت دارالقرآن الكريم في قم التي أسسها مرجع الشيعة الراحل السيد الكلبايكاني رحمه الله، مؤلفات الشيعة في التفسير فقط في القرون المختلفة، فزادت على خمسة آلاف مؤلف..



فكيف يصح أن نعمد الى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الإسلامي أكثر من غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه.. ونتهمهم بعدم الإيمان بالقرآن، أو بأن عندهم قرآناً آخر !!



6 ــ وفقه الشيعة في احترام القرآن أكثر تشدداً



توجد مجموعة أحكام شرعية عند الشيعة تتعلق بوجوب احترام نسخة القرآن الكريم وحرمة إهانتها.. فلا يجوز عندنا مس خط القرآن لغير المتوضئ، ولايجوز القيام بأي عمل يعتبر عرفاً إهانةً للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة، كأن يضع نسخة القرآن في مكان غير مناسب، أو يرميها رمياً غير لائق، أو ينام ونسخة المصحف في مكان مواجه لقدميه، أو يضعها في متناول طفل يعبث بها.. الى آخر هذه الأحكام التي تشاهدها في كتب الفقه العملي الذي يعلم الناس الصلاة والوضوء والأحكام التي يحتاجها الشيعي في حياته اليومية.. فأي قرآن تقصد هذه الأحكام التي تعلمها نساء الشيعة لأطفالهن.. ؟ هل تقصد قرآن الشيعة المزعوم الذي لا يعرفه الشيعة ولا رأوه ؟!



7 ــ وفتاوى علماء الشيعة بعدم تحريف القرآن



الذين يمثلون الشيعة في كل عصر هم علماؤهم، فهم الخبراء بمذهب التشيع لأهل البيت عليهم السلام، الذين يميزون ما هو جزء منه وما هو خارج عنه.. وعندما نقول علماء الشيعة نعني بالدرجة الأولى مراجع التقليد الذين يرجع إليهم ملايين الشيعة ويقلدونهم، ويأخذون منهم أحكام دينهم في كيفية صلاتهم وصومهم وحجهم، وأحكام زواجهم وطلاقهم وإرثهم، وأحكام معاملاتهم.. فهؤلاء الفقهاء، الذين هم كبار المجتهدين في كل عصر، يعتبر قولهم رأي الشيعة، وعقيدتهم عقيدة الشيعة. ويليهم في الإعتبار بقية العلماء غير المقلدين، فهم يعبرون عن رأي الشيعة نسبياً.. وتبقى الكلمة الفصل في تصويب آرائهم وأفكارهم لمراجع التقليد.



وقد صدرت فتاوى علماء الشيعة في عصرنا جواباً على تهمة الخصوم فأجمع مراجعهم على أن اتهام الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن افتراء عليهم وبهتان عظيم، وأن الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنه القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله دون زيادة أو نقيصة..



وهذه نماذج من فتاوى عدد من فقهاء الشيعة الماضين والحاضرين ننقلها ملخصة من كتاب (البرهان على صيانة القرآن) للسيد مرتضى الرضوي ص 239 فما بعدها :



رأي الشيخ الصدوق :



(إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة (يعني في الصلاة) ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب).



رأي الشيخ المفيد :



(وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان، وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز، ويكون ملتبساً عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن، غير أنه لابد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه، ويوضح لعباده عن الحق فيه. ولست أقطع على كون ذلك، بل أميل الى عدمه وسلامة القرآن عنه).



رأي الشريف المرتضى :



(المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات. وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير منثور، ولا مبثوث).



رأي الشيخ الطوسى :



(وأما الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله وهو الظاهر في الروايات.. ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته، والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال إني مخلف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر. لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن أهل البيت عليهم السلام ومن يجب اتباع قوله حاصلٌ في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، ونترك ما سواه).



رأي الشيخ الطبرسي :



(فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت الى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً، أو منقوصاً مع العناية الصادقة، والضبط الشديد).



رأي الفيض الكاشاني :



(قال الله عزوجل وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟! وأيضاً قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له، وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفاً فما فائدة العرض، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله، مكذب له، فيجب رده، والحكم بفساده).



رأي الشيخ جعفر الجناجي (بجيمين، كاشف الغطاء):



(لا زيادة فيه من سورة، ولا آية من بسملة وغيرها، لا كلمة ولا حرف. وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين، وإجماع المسلمين، وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام، وإن خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن... لا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر).



رأي السيد محسن الأمين العاملي :



(ونقول : لا يقول أحد من الإمامية لا قديماً ولا حديثاً إن القرآن مزيد فيه، قليل أو كثير، فضلاً عن كلهم، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه).



رأي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء :



(وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم).



رأي السيد شرف الدين العاملي :



(والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً الى عهد الوحي والنبوة، وكان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس مؤلفاً على ما هو عليه الآن، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين. والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي صلى الله عليه وآله حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله مراراً عديدة، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية... نسب الى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات إلخ. فأقول : نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ الى الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا، أو مفتر علينا، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته، تواتراً قطعياً عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه الى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، وهذا أيضاً مما لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم ــ فضلاً عن نصوصه ــ أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها، عملاً بأوامر أئمتهم عليهم السلام).



رأي السيد البروجردي الطباطبائي :



قال الشيخ لطف الله الصافي عن أستاذه آية الله السيد حسين البروجردي (فإنه أفاد في بعض أبحاثه في الأصول كما كتبنا عنه، بطلان القول بالتحريف، وقداسة القرآن عن وقوع الزيادة فيه، وأن الضرورة قائمة على خلافه، وضعف أخبار النقيصة غاية الضعف سنداً ودلالة. وقال : وإن بعض هذه الروايات تشتمل على ما يخالف القطع والضرورة، وما يخالف مصلحة النبوة. وقال في آخر كلامه الشريف : ثم العجب كل العجب من قوم يزعمون أن الأخبار محفوظة في الألسن والكتب في مدة تزيد على ألف وثلاثمائة سنة، وأنه لو حدث فيها نقص لظهر، ومع ذلك يحتملون تطرق النقيصة الى القرآن المجيد).



رأي السيد محسن الحكيم الطباطبائي :



(وبعد، فإن رأي كبار المحققين، وعقيدة علماء الفريقين، ونوع المسلمين من صدر الإسلام الى اليوم على أن القرآن بترتيب الآيات والسور والجمع كما هو المتداول بالأيدي، لم يقل الكبار بتحريفه من قبل، ولا من بعد)



رأي السيد محمد هادي الميلاني :



(الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أقول بضرس قاطع إن القرآن الكريم لم يقع فيه أي تحريف لابزيادة ولا بنقصان، ولا بتغيير بعض الألفاظ، وإن وردت بعض الروايات في التحريف المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات باطلة، لا تغيير الألفاظ والعبارات. وإذا اطلع أحد على رواية وظن بصدقها وقع في اشتباه وخطأ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً).



رأي السيد محمد رضا الكلبايكاني :



(وقال الشيخ لطف الله الصافي دام ظله : ولنعم ما أفاده العلامة الفقيه والمرجع الديني السيد محمد رضا الكلبايكاني بعد التصريح بأن ما في الدفتين هو القرآن المجيد، ذلك الكتاب لا ريب فيه، والمجموع المرتب في عصر الرسالة بأمر الرسول صلى الله عليه وآله، بلا تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان، وإقامة البرهان عليه : أن احتمال التغيير زيادة ونقيصة في القرآن كاحتمال تغيير المرسل به، واحتمال كون القبلة غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل، وهو مستقل بامتناعه عادة).



رأي السيد محمد حسين الطباطبائي :



(فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير كما وعد الله نبيه فيه. وخلاصة الحجة أن القرآن أنزله الله على نبيه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصة لو كان تغيير في شئ من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر، فقد آثار تلك الصفة قطعاً، لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجداً لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً من صفاته، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعينه، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو ترتيب، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف، والهداية، والنورية، والذكرية، والهيمنة على سائر الكتب السماوية، الى غير ذلك، وذلك كآية مكررة ساقطة، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها).



رأي السيد أبو القاسم الخوئي :



(... إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حب القول به، والحب يعمي ويصم. وأما العقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته).



رأي الشيخ لطف الله الصافي :



(القرآن معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله، وبمثل سورةٍ أو آية منه، وحير عقول البلغاء، وفطاحل الأدباء... وقد مر عليه أربعة عشر قرناً، ولم يقدر في طول هذه القرون أحد من البلغاء أن يأتي بمثله، ولن يقدر على ذلك أحد في القرون الآتية والأعصار المستقبلة، ويظهر كل يوم صدق ما أخبر الله تعالى به فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا.. هذا هو القرآن، وهو روح الأمة الإسلامية وحياتها ووجودها وقوامها، ولولا القرآن لما كان لنا كيان. هذا القرآن هو كل ما بين الدفتين ليس فيه شئ من كلام البشر وكل سورة من سوره وكل آية من آياته، متواتر مقطوع به ولا ريب فيه. دلت عليه الضرورة والعقل والنقل القطعي المتواتر. هذا هو القرآن عند الشيعة الإمامية، ليس الى القول فيه بالنقيصة فضلاً عن الزيادة سبيل، ولا يرتاب في ذلك إلا الجاهل، أو المبتلى بالشذوذ الفكري).

الأحد، سبتمبر 07، 2008

النصوص القرآنية والأحاديث الواردة في مسألة الإمامة الجزء 4 والأخير





مناقشة الأحاديث السابقة

حديث الغدير . . أشهر من أن يعرف ، رواه معظم أصحاب السنن إن لم نقل كلهم وصححوه ، ولقد ذكرنا في الصفحات السابقة موارد ذكر هذا الحديث في صحاح أهل السنة .

وواقعة
( غدير خم ) معروفة الزمان والمكان ، حديث أثناء عودة المسلمين من حج بيت الله الحرام فيما عرف بحجة الوداع قبيل موت رسول الله ( ص ) بقليل ، أي في العام العاشر للهجرة الموافق 631 ميلادي .

فإذا كانت الحجة عرفت بأنها حجة الوداع فكلمات رسول الله ( ص ) كانت وصية الوداع من رسول وصفة القرآن
: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) ( التوبة / 128 ) ، إنها كلمات
تحمل أقصى درجة من الأهمية والخطورة بالنسبة لمصير الأمة ومستقبلها ، هذه الوصية كانت بأمر الله سبحانه وتعالى وقد جاء في أسباب النزول للنيسابوري وغيره من المفسرين أن قوله تعالى
: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك
وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
) ( المائدة / 67 ) ، أنها نزلت يوم غدير خم ، وأن هذا التبليغ كان أمرا حيويا متمما ومكملا للرسالة الإسلامية ككل وإلا لما قال القرآن ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) . ما هذا الجزء الذي يكمل الكل فيجعله تاما ؟ .

توضيح كلمات الخطبة هذه المعاني فتقول
( ألا . إني أوشك أن أفارقكم وإني مسؤول ) . إذن فالرسالة في غاية الأهمية ، إنها المسؤولية أمام الله عن الثقلين كيف خلفتموني فيهما ؟ أول الثقلين أو الثقل الأكبر هو كتاب الله ، إذن القضية قضية منهج وليست قضية عاطفة ، إنه نبي يوشك أن يفارق أمته فيوصيهم لا بالأولاد كما يفعل عوام الناس ، ولا بتنمية ناله ، ولكن يوصيهم بالحفاظ على المنهج ، بل ويحدد لهم وسيلة الحفاظ على هذا المنهج ، إن هذا لا يكون إلا بمتابعة الثقلين : الكتاب والعترة ، اتباع منهج ، وقيادة ، لا على سبيل العاطفة أو المودة فحسب .

فناصر الكتاب وأهل البيت ناصر الرسول ، وخاذل الكتاب والعترة خاذل للرسول ، إنها وصية مركزة ومحدودة تحدد المنهج ، وهو الكتاب أو النص وتحدد القيادة وهي قيادة أهل البيت الأقدر على فهم النص وتطبيقه ، ومطابقة السلوك مع المنهج ، فكيف إذن يمر الناس على هذا الحديث المتواتر مرور الكرام ؟ وإذا اضطروا لإثبات الفهم لجؤوا إلى تمييع الأفهام فيقولون
: ( ولا ننكر الوصاة بهم ) وهل كان رسول الله ( ص ) في حاجة إلى أن يجمع المسلمين في هذا الموضع ليوصيهم بذريته وحسب ؟ ، لا نظن هذا . ثم يلجأ الرسول الأكرم ( ص ) إلى مزيد من التحديد حينما يطرح ولاية أمير المؤمنين ( ع ) بصورة واضحة ومحدودة فيقول : ( من كنت وليه فهذا وليه ) ( 1 ) .

يقول بعض الباحثين : إن هذا الكلام لا يعني ولاية الأمر أو قيادة الأمة وإنما يعني النصرة والمحبة ، وهذا كلام عجيب ، فماذا كانت تعني ولاية رسول الله للأمة ؟ .

ألم تكن ولاية التشريع والقيادة
( من كنت مولاة فهذا مولاه ( 2 ) ، إنها ولاية من ولاية ، إنها من نفس الجنس والنوع والمعنى ، وليس هناك أي دليل أو قرينة لغوية تفصل بين الولايتين ، بل على العكس إنها قضية الامتداد تطرح في وقتها الملائم ( إني أوشك أن أفارقكم - من كنت مولاه فعلي مولاه ) .

بقي أن نقول إن هناك معنى عظيما في هذا الحديث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) ، هذا المعنى هو أن هذه القيادة وإن غيبت ، فإنها لا تغيب بل وستبقى حاصرة في دين المسلمين ، إنها حاضرة حضور الكتاب في دنيا الناس حتى آخر الدنيا ، ثم إن هذه القيادة تحتفظ بصوابية
الكتاب الكريم نفسها ، إذ العترة عدل الكتاب ورفيقته في الطريق الحق ، وحاشا لكليهما من الزيغ والضلال .



* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر السابق ، 1 / 63 - 64 .
( 2 ) أنظر مصادر هذه الأحاديث من كتب وصحاح أهل السنة في الصفحات السابقة . ( * )


ومن عجيب أن رواية الترمذي عن خطبة رسول الله ( ص ) في حجة الوداع ، وهي رواية تفرد بها تحمل المعنى نفسه بل النص والوصية نفسيهما
( تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) ، لقد كان رسول الله ( ص ) حريصا على أن يكرر الوصية نفسها في مسافة زمنية متقاربة .

وفي وسط أكبر عدد من جموع المسلمين اجتمعت في حجة الوداع ، ثم كان حديثه في
( غدير الجحفة ) تفصيلا وتأكيدا لوصيته يوم عرفة ، ثم إنها فوق كل هذا وصية مودع وصية ( رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) ( التوبة / 128 ) .

أما ( حديث المنزلة ) وقد قاله رسول الله ( ص ) ، قبيل مغادرته المدينة إلى غزوة تبوك في رجب من العام التاسع للهجرة ، 630 ميلادي ، وتبوك موضع في شمالي جزيرة العرب ، ولما انطلق النبي ( ص ) إلى الغزو ، استخلف عليا
( ع ) على المدينة فكانت هذه الكلمات
: ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ) ، فماذا كانت منزلة هارون من موسى ؟ فلنقرأ القرآن : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) ( الأعراف / 142 ) . إذا لقد كانت منزلة هارون من موسى هي منزلة الخلافة على الأمة ( اخلفني في قومي ) .

ثم نص القرآن على واجبات الخلافة ( وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) .

وهل كان اختيار رسول الله ( ص ) للإمام علي ( ع ) لحمل آيات البراءة مجرد مصادفة خاصة ، وأنه ( ص ) كان قد أرسل غيره حاملا للرسالة ثم نزعها منه وأعطاها للإمام ؟ ، لقد كانت رسالة البراءة كما يلي : ( أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله ( ص ) فهو إلى مدته ) .

إن هذه المهمة التي أرسل فيها أمير المؤمنين علي ( ع ) هي من مهمات ( القيادة العليا ) بالتعبير السياسي الحديث مهمة إبرام المعاهدات أو نقضها ، مهمة وضع سيادة الدولة الإسلامية في إطارها النهائي ، ومن ثم كان اختيار الإمام علي لهذه المهمة متلائما مع دوره المقبل في قيادة الأمة الإسلامية في المرحلة المقبلة ، وإنه في هذه اللحظة كان يمثل ما تعارف عليه الناس بمصطلح ( النائب الأول ) ، وهذا المعنى واضح في كلمات الرسول ( ص ) : ( لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ) أما حديث السفينة فهو يحمل المعنى نفسه الوارد في حديث الثقلين ، إنه يرتبط بين النجاة وبين التمسك بمنهج أهل البيت ( ع ) وولايتهم : ( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ) ، وهل كان ركوب سفينة نوح متاحا للمؤمنين والكفار أم أنه كان متاحا للمؤمنين من الصابرين دون غيرهم من المعاندين ؟ .

إنها كانت هدية الله لمن آمنوا وصدقوا
( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) ( هود / 40 - 41 ) ، إنها سفينة النجاة تسير بأمر الله مجراها ومرساها لا بأهواء الناس ولا بضحالة علمهم ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) ( هود / 42 ) ، ثم هي بعد ذلك الوسيلة الوحيدة للنجاة من مهالك الدنيا والآخرة .

ويبقى ، بعد هذا ، حديث مدينة العلم ، هذا الحديث الذي شبه فيه الرسول ( ص ) علمه بالمدينة التي لا تؤتى إلا من بابها ، وبابها هو أمير المؤمنين علي ( ع ) ، ولطالما استعصى علي فهم قوله تعالى
: ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) ( البقرة / 189 ) ، هل نزلت هذه الآية لتعالج مشكلة تسلق أسوار البيوت فحسب ؟ ، ربما ، ولكني لا أظن أن مثل هذه الظاهرة تكفي وحدها لتعطينا مدلولا قاطعا مانعا يمنع انطباق مدلول هذه الآية على أية قضية أخرى . إن المدلول الأخطر والأهم هو تنظيم الهيئة الاجتماعية ، ووضع القيادة العلمية للأمة في موضعها الصحيح ، وهو موضع الباب ، وعلى كل من يريد الدخول أن يمر عبر الطريق الطبيعي وهو الباب ، فإذا لم يكن للمدرسة أسوار وأصبح الدخول مفتوحا لكل من هب ودب ، فإن هذا عين الفوضى الاجتماعية والعلمية والأخلاقية ، ثم وجدت ضالتي في كلمات الإمام علي ( ع ) : ( نحن الشعار والأصحاب ، والخزنة والأبواب ، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا ) ( 1 ) .


* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر ص ( 57 ) من هذا البحث . ( * )





قضية الإمامة في كتب السنة


قلنا ، من قبل ، إننا سنقدم ما نعتقد أنه الصورة الحقيقية لقضية الإمامة . ولكي نتمكن من تقديم هذا التصور ، كان علينا ألا نقيد أنفسنا بما أورده أصحاب السنن في فصل الإمامة ، وألا نتقيد بمصدر واحد ، وإنما علينا أن نفتش في مصادر السنة المختلفة المتاحة لدينا .

وقلنا أيضا إننا سنلتزم بالقواعد القرآنية المحكمة التي لا يأتيها الباطل ، وخاصة قاعدة الاصطفاء الإلهي وأن حمل أمانة الدين والدنيا محصور في ذرية الأنبياء والهم لا غيرهم ، إلا إذا قام لدينا دليل قاطع يقول غير هذا الكلام ، ولا نظن أن رواية مكذوبة منسوبة إلى الرسول الأكرم تصلح لأن ترد صريح القرآن .

وهناك أيضا ملاحظة هامة ، وهي أننا لن نتعرض لأسانيد الأحاديث ، ورجالها ، ورواتها ، فمعظم الأحاديث التي سنوردها قد فرغ فيها القول وحققت وأصبحت أسانيدها مقطوع بصحتها .

كما لن نحرص على استقصاء كميع الروايات المتعلقة بالمسألة فإن هذا الأمر يطول ، وإنما سنركز على هدد قليل من الروايات التي ذكرتها كتب أهل السنة وصحاحهم ، تقودنا إلى ما نريد
.

1 - حديث الغدير . أخرج أصحاب السنن ، واللفظة لابن المغازلي عن زيد بن أرقم قال : ( أقبل نبي الله من مكة في حجة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة ، فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك ، ثم نادى الصلاة جامعة ، فخرجنا إلى رسول الله ( ص ) في يوم شديد الحر وإن منا لمن يضع رداء ه على رأسه وبعضه على قدميه من شدة الرمضاء حتى انتهينا إلى رسول الله ( ص ) ، فصلى بنا الظهر ثم انصرف إلينا فقال : الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله .

أما بعد ، أيها الناس فإنه لم يكن لنبي من العمر إلا نصف عمر من قبله وإن عيسى بن مريم لبث في قومه أربعين سنة وإني قد أسرعت في العشرين ، ألا
وإني أوشك أن أفارقكم ، ألا وإني مسؤول وأنتم مسؤولون فهل بلغتكم فماذا أنتم قائلون ؟ فقام من كل ناحية من القوم مجيب يقولون : نشهد أنك عبد الله ورسوله قد بلغت رسالته وجاهدت في سبيله وصدعت بأمره وعبدته حتى أتاك اليقين ، جزاك الله عنا خير ما جازى نبيا عن أمته . فقال : ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وتؤمنون بالكتاب كله ؟ قالوا : بلى . قال: فإني أشهد أن صدقتكم وصدقتموني ألا وإني فرطكم وأنكم تبعي توشكون أن تردوا علي الحوض فأسألكم حتى تلقوني عن ثقلي كيف خلفتموني فيهما . فأعيل علينا ما ندري ما الثقلان حتى قام رجل من المهاجرين قال : بأبي أنت وأمي يا نبي الله ما
الثقلان ؟ فقال ( ص )
: الأكبر منهما كتاب الله تعالى سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم فتمسكوا به ولا تضلوا ، والأصغر منهما عترتي من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم فإني قد سألت لهم اللطيف الخبير فأعطاني ناصرهما لي ناصر ، وخاذلهما لي خاذل ، ووليهما لي ولي وعدوهما لي عدو ، ألا وإنها لم تهلك أمة قبلكم حتى تتدين بأهوائها تتظاهر على نبوتها وتقتل من قام بالقسط . ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فرفعها ثم قال : من كنت مولاه فهذا مولاه ومن كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . قالها ثلاثا ) ( 1 )


* ( هامش ) *
( 1 ) للتوسع في مصادر حديث الغدير ، أنظر : - سنن الترمذي : 2 / 298 دار إحياء التراث العربي - بيروت ( غير مؤرخ ) . - سنن ابن ماجة : 1 / 43 حديث رقم 116 . تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار الفكر - بيروت . - المستدرك على الصحيحين 3 / 109 ، 533 دار الكتب العلمية - بيروت 1411 ه‍ . - مسند أحمد بن حنبل : 4 / 270 دار الفكر - بيروت . ( * )

2 - خطبة حجة الوداع روى الترمذي ، في الباب ( 32 ) ، تحت عنوان ( مناقب أهل بيت النبي ( ص ) ، حديث رقم ( 3786 ) ، بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري : ( رأيت رسول الله ( ص ) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول : أيها الناس إني تركت فيكم ما أن أخذتم به لن تظلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ) ( 1 ) .

وفي حديث رقم ( 3788 ) للترمذي أيضا عن زيد بن أرقم قال : ( قال رسول الله ( ص ) : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض . وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلوني فيهما ) ( 2 ) .

3 - حديث المنزلة روى البخاري وغيره من أصحاب السنن عن رسول الله ( ص ) ، أنه قال لعلي بن أبي طالب : ( أنت مني بمنزلة هارون

* ( هامش ) *
( 1 ) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي : الجامع الصحيح ، 5 / 621 . دار الكتب العلمية - بيروت 1408 ه‍ / 1987 م .
( 2 ) المصدر نفسه ، 5 / 622 . ( * )

من موسى غبر أنه لا نبي بعدي ( 1 ) .

4 - حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها روى ابن المغازلي الشافعي عن جابر بن عبد الله قال : ( أخذ النبي ( ص ) بعض علي فقال : هذا أمير البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره ، مخذول من خذله . ثم مد بها صوته فقال : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ) .

وأخرجه الحاكم بهذا السند في مستدرك على الصحيحين : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ) .

كما روى ابن المغازلي الشافعي عن جرير عن علي قال : ( قال رسول الله ( ص ) : أنا مدينة العلم وعلي بابها ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها ) ( 2 )

* ( هامش ) *
( 1 ) روي هذا الحديث بهذا المعنى ، وبألفاظ مختلفة في المصادر التالية : - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، 7 / 453 ط . دار الكتب العلمية - بيروت - كنز العمال للمتقي الهندي ، 6 / 395 . - مسند أحمد بن حنبل ، 1 / 170 و / 369 دار الفكر - بيروت - صحيح مسلم ، باب فضائل علي بن أبي طالب ، 5 / 23 حديث رقم 2404 . - صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ، باب غزوة تبوك ، حديث رقم 3503 .
( 2 ) أنظر : الجامع الصحيح للترمذي ، 5 / 596 حديث رقم 3723 . دار الكتب = ( * )

5 - حديث براءة روى ابن كثير ، في تفسيره : ( تفسير القرآن العظيم ) ، عن الإمام أحمد عن أنس بن مالك : ( أن رسول الله ( ص ) بعثه ببراءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال : لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي فبعثها مع علي بن أبي طالب ) ( 1 ) .

ورواه الترمذي في التفسير ، وقال عبد الله بن حنبل عن علي : ( لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ( ص ) ، دعا أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال : أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم . فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبكر إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله نزل في شئ ؟ فقال : لا ، ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل من منك ) .

وروى عبد الله أيضا عن علي : ( أن رسول الله ( ص ) قال لي : لا بد أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت . فقال : فإن كان ولا بد فسأذهب بها أنا . قال : إنطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك . قال : ثم وضع يده على فيه ) . وروى ابن كثير أيضا عن إسرائيل عن زيد بن يثيغ : ( لما رجع أبو بكر قال : نزل في

* ( هامش ) *
= العلمية - بيروت 1408 ه‍ / 1987 م . - المستدرك على الصحيحين النيسابوري 3 / 137 حديث رقم 4637 و 4637 و 4638 - دار الكتب العلمية - بيروت 1411 ه‍ .
( 1 ) ابن كثير الدمشقي : تفسير القرآن العظيم ، 2 / 496 م . س ( * )

شئ ؟ . قال ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي ) وروى أيضا : ( لما نزلت براءة قال رسول الله ( ص ) : لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ) ( 1 ) .

( إن الله تعالى عهد إلي عهدا في علي فقلت يا رب بينه لي ، فقال : إسمع ، فقلت : سمعت ، فقال : إن عليا راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين ، من أحبه أحبني ، ومنم أبغضه أبغضني . فبشره
بذلك . فجاء علي فبشرته . فقال : يا رسول الله أنا عبد الله ، وفي قبضته فإن يعذبني فبذنبي ، وإن يتم لي الذي بشرتني به فالله أولى بي . قال : قلت : اللهم أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان ، فقال الله : قد فعلت به ذلك ، ثم إنه رفع إلي أنه
سيخصه من البلاء بشئ لم يخص به أحدا من أصحابي . فقلت : يا رب أخي وصاحبي . فقال : إن هذا شئ قد سبق أنه مبتلى به
) ( 2 )

6 - أحاديث أخرى حديث . . ( من سره أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيبة من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ، ثم قال لها : كوني

* ( هامش ) *
( 1 ) ابن كثير : م . س . طباعة دار الكتب العلمية بيروت ( غير مؤرخ ) .
( 2 ) أبو نعيم الأصفهاني في حلبة الأولياء 1 / 86 . ( * )



فكانت ، فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب ) . رواه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني ( 1 ) ورواه أحمد بن حنبل في المسند . حديث . . ( والذي نفسي بيده ، لولا أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة ) رواه أحمد في المسند . حديث . . قال رسول الله ( ص ) : ( يا أنس اسكب لي وضوءا ، ثم قام فصلى ركعتين وثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين .

قال أنس : قلت : اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته ، إذ جاء علي فقال ( ص ) : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي . فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ويمسح عرق علي بوجهه . قال علي : يا رسول الله لقد رأيتك تصنع شيئا ما صنعت بي من قبل ؟ قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي
) حديث . . ( من سوره أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنه عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهما وعلما ، فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي )

* ( هامش ) *
( 1 ) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1 / 66 . ط . دار الكتب العلمية - بيروت ( غير مؤرخ ) . ( * )

النصوص القرآنية والأحاديث الواردة في مسألة الإمامة





النصوص القرآنية والأحاديث الواردة في مسألة الإمامة


أولا ، رؤية نقدية لمرويات أهل السنة في هذا الموضوع ، ثانيا قراءة عقلية للنص القرآني والأحاديث الواردة في مسألة الإمامة .

على طريق الإمامة في الصميم لم تكن قضية الإمامة تحظى بقدر كبير من الاهتمام في صفوف الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي ، بيد أن قيام الثورة الإسلامية في إيران ، بقيادة آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني ( رحمه الله ) ، قد ألقى عدة أحجار في البحيرة الراكدة ، وفرض على الكثير من العلماء والمفكرين وأصحاب القلم إعادة التفكير والنظر في مسلمات الأمس القريب ، في حين اختار بعضهم موقف المعاداة لكل ما جهلوا ، وصدق الله العلي العظيم ، حيث يقول : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) ( يونس / 39 ) .

وهناك من قام بإعمال فكره وعقله في النصوص وفي الواقع ، بهدف الحصول على الحقيقة بغض النظر عن الاستنتاج النهائي ، وبغض النظر عن قوى الواقع التي تمارس بشكل عملي الأسلوب الذي تتحدث عنه الآية القرآنية المباركة وتذمه ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) ( الزخرف / 22 ) . تمارس تلك القوى ذلك من دون أن تعلنه باللسان .

على أن قضية ( الإمامة ) ، وإن تعددت الدراسات حولها وكثرت إلا أن غالبية ما كتب لم يكن ليكتب في إطار عقلي ، بل إن السائد أن كل طرف يأتي بما يؤيد وجهة نظره من الروايات ، ويتحدث عن أسانيدها ورواتها ووثاقتهم ، الأمر الذي دفعني لاستخدام المنطق العقلي في هذه الدراسة لأن ما يتناقض مع العقل هو المستحيل بعينه وهو المرفوض دراية ومن ثم رواية ، من دون ما حاجة لسرد أسماء الرواة والمحدثين ، وما يتفق مع العقل ينبغي قوله والتسليم به ، لأن أحكام الدين وشرائعه تتكامل ولا تتناقض ، وما نعنيه بالعقل هنا هو عرض أدلة المسائل الفردية على الأدلة الكلية ، الجامعة .

فإذا كان الله تبارك وتعالى : ( إن الله يأمر بالعدل ) ( النحل / 90 ) ، فلا يعقل أن يأمر بطاعة ( فاقد العقل ) ، وإلا لأمر سبحانه بالشئ وضده ( العدل - الجور ) . وهذا محال على الله سبحانه وتعالى .

وإلى جانب إيماننا بذلك ، فإننا نؤمن بالتكامل في الشريعة الإسلامية الغراء ، بمعنى أن قواعد الإسلام العظيم مرتبة بعضها على بعض ، فالقرآن الكريم تحدث عدة مرات عن قاعدة ( الإصطفاء ) ، وأنها محصورة في الذرية والآل ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم على العالمين ) ( آل عمران / 33 ) .

ثم نص سبحانه وتعالى على تحميل هؤلاء المصطفين الأبرار مسؤولية هداية البشر ، وتعريفها بالحق ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) ( فاطر / 31 - 32 ) .

وهذه قاعدة عامة لم تشذ عنها أمة من الأمم ، فلماذا تشذ الأمة الإسلامية ؟ ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ( الأحقاف / 9 ) .

وأخيرا : هناك قضية حجية السنة ( 1 ) ؟ فالمعارضون لمدرسة أهل البيت ( ع ) ، حينما تضيق بهم السبل يلجأون إلى حجة في غاية الغرابة ، وهي الدفع بعدم ورود إمامة أهل البيت ( ع ) وخلافتهم للنبي ( ص ) في القرآن الكريم ، وهو ما لا سبيل إلى القبول بمناقشته ونحن نعلم أن حجية السنة المتواترة تماما كحجية الكتاب ، فصاحب السنة هو ملتقي الوحي من رب السماوات والأرض ولعنة الله على من كذب على رسول الله ( ص ) ، وليموه على الناس دينهم ، وهذا الكذب هو الذي أدى إلى إلقاء بعض الظلال على حجية السنة المطهرة ، وهي أوامر الله ونواهيه التي جاء بها النبي المعصوم محمد ( ص ) ، والتشكيك في حجية السنة لا يختلف في شئ عن التشكيك في حجية القرآن .



* ( هامش ) *
( 1 ) يعرف علماء أصول الفقه الحجة بأنها : ( كل شئ يكشف عن شئ آخر ، ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له ) . أما السنة فهي ( قول المعصوم أو فعله أو تقريره ) . للتوسع أنظر : أحمد البهادلي : مفتاح الوصول إلى علم الأصول ، 2 / 31 . ( * )

نقول أيضا : إن انتقال النبي محمد ( ص ) إلى الرفيق الأعلى عام ( 11 ه‍ / 632 م ) كان من المفترض أن يصاحبه انتقال السلطة والنظرية إلى يد أمينة قادرة على التعبير عن الأمرين وجعل السلطة والقوة في خدمة النظرية وليس العكس أن تكون النظرية في خدمة السلطة فتتشكل النظرية وفقا لقدرات أصحاب السلطة الذهنية والعقلية ولمدى أمانتهم في التطبيق ، ومن هنا كان عهد النبي الأكرم لعلي سلام الله علية يوم غدير خم بقوله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ( 1 ) ، وقوله يوم سار النبي ( ص ) إلى غزوة تبوك وكانت يومها الدولة قائمة : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ( 2 )

* ( هامش ) *
( 1 ) هذا الحديث يعرف بحديث الغدير ، وقد روي في صحاح أهل السنة بألفاظ متقاربة ، ومعنى واحد ، أنظر : سنن الترمذي 2 / 298 . مطبعة بولاق - مصر 1292 ه‍ .
سنن ابن ماجة ص 12 . مطبعة الفاروقي - دهلي ( غير مؤرخ ) .
مستدرك الصحيحين 3 / 1098 و 533 . مطبعة حيدر آباد - الدكن 1324 ه‍ .
مسند أحمد بن حنبل 1 / 48 ، المطبعة الميمنية - مصر 1313 ه‍
الخصائص للنسائي ص 22 و 40 مطبعة التقدم العلمية - مصر 1348 ه‍
الإمامة والسياسة لابن قتيبة ، ص 93 . طباعة الفتوح الأدبية 1331 ه‍ .
( 2 ) روي هذا الحديث في : - صحيح البخاري ( كتاب بدء الخلق ، باب غزوة تبوك ) 3 / 1359 ، حديث = ( * )


ولكن الذي حدث كان غير ذلك ، فالخلافة النبوية انتقلت إلى من انتقلت إليه برأي بعض المسلمين وليس بالنص ، وأولئك الخلفاء تفاوتت قدراتهم في استيعاب النصوص ومعرفتها ومن ثم تعبيرهم عن النظرية ، وإن أمسكوا بالسلطة في أيديهم ، وكانت ثمرة الخلفاء الثلاثة الأول أن انتقال السلطة إلى الإمام علي ( ع ) لم يكن انتقالا هادئا ولا مستقرا إلى ( إمام منصوب من الله عز وجل ) ما أسهم في تفلت خيوط القوة من بين يديه ووصولها غنيمة باردة إلى بني أمية بقيادة ابن ( آكلة الأكباد ) ( 1 ) ، وهو انتقال رسخ الوضع الآتي :

1 - سلطة لم تستمد قوتها من شرعية إلهية ، وإنما من الغضب والعدوان ، وهو ما عبر عنه معاوية في خطاب تسلم السلطة ( إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ،



* ( هامش ) *
= 3503 ، المطبعة الخيرية . مصر 1320 ه‍ . - صحيح مسلم ( كتاب فضائل الصحابة ) 5 / 23 حديث 2404 . طباعة بولاق 1290 ه‍ -
مسند ابن حنبل 1 / 722 حديث 1466 . المطبعة الميمنية / مصر 1413 ه‍ .
( 1 ) آكلة الأكباد هي هند بنت عتبة ، أم معاوية بنت أبي سفيان سميت بآكلة الأكباد لأنها بقرت بطن ( حمزة ) عم النبي وأخرجت كبده ولاكته ، وذلك في معركة ( أحد ) التي دارت بين المسلمين ومشركي قريش بقيادة أبي سفيان ، فجرح الرسول فيها ، وقتل عمه حمزة ، وذلك سنة 3 ه‍ / 625 م . ( * )



ولا لتزكوا ، إنكم تفعلون ذلك ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ) ( 1 ) .

2 - نظرية يفترض أنها ( الإسلام ) ، ولكنه من الناحية الواقعية ( الإسلام الأسير ) في أيدي أقوام جعلوا إحدى شعائر صلاة الجمعة لعن أمير المؤمنين علي ( ع ) على المنابر ، وهذه مسألة متواترة ناهيك عن باقي موبقاتهم وجرائمهم .

في ظل هذا الواقع السلطوي ، والنظرية الإسلامية التي تتلقى الطعنات صباح مساء من أصحاب السلطة ، صيغت نظريات السلطة ، ووردت الروايات ودونت

الكتب ، فكتب الصحاح التي يتحدثون عنها كتبت بعد قرنين من رحيل النبي الأكرم ( ص ) ، ولذا جاءت مدونات هذه الكتب خليطا من النصوص المبتورة

عن مواضعها على الرغم من صحتها ، وتلك النصوص المكذوبة على رسول الله ( ص ) ، وتلك النصوص المنتقاة لبعض الأشخاص أصحاب المواقف المتمشية مع أهواء كل النظم الحاكمة إلى يومنا هذا .

والأهم من هذا وذاك تلك المساحات البيضاء التي تركت



* ( هامش ) *
( 1 ) أبو الفرج الأصفهاني : مقاتل الطالبين ص 77 : ط . الأعلمي ، بيروت - لبنان ( 1408 ه‍ / 1987 م ) . وابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 4 / 16 ، ط . دار الهدى الوطنية ، بيروت - لبنان ( غير مؤرخ ) ( * )



فارغة ولم يدرون شئ بشأنها في كتب ( الأحاديث ) واقتصر تدوينها على كتب التاريخ ، ولذا فإننا سنقوم بتجميع بعض هذه النصوص والتعليق عليها ، سعيا لإيضاح الحقيقة ، والانتصار للحق .

حدود الإمامة يقول الإمام علي ( ع ) : ( لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في أمرته المؤمن ) ( 1 ) .

يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج : ( فأما طريق وجوب الإمامة ما هي ، فإن مشايخنا البصريين رحمهم الله يقولون طريق وجوبها الشرع ، وقال البغداديون وأبو عثمان الجاحظ من البصريين : إن العقل يدل على وجوب الرئاسة ، وهو قول الإمامية .

إلا أن الوجه الذي منه يوجب أصحابنا الرئاسة غير الوجه الذي توجب منه الإمامية الرئاسة ، وذاك أن أصحابنا يوجبون الرئاسة على المكلفين من حيث أن

في الرئاسة مصالح دنيوية ودفع مضار دنيوية ، والإمامية يوجبون الرئاسة من حيث كان في الرئاسة لطف منه وبعد للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية ) .

وأيا كان طريق وجوب الإمامة أو الإمرة فالحقيقة أنها واجبة



* ( هامش ) *
( 1 ) كاظم محمدي / محمد دشتي : المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة ، خطبة ( 40 ) ص 24 . دار الأضواء - بيروت ( 1406 ه‍ / 1986 م ) . ( * )



ولكن هناك تباين حول الوجه الذي يوجب الإمامة ، هل هو قاصر أو مرتكز على حفظ المصالح الدنيوية ، أم أن المسألة أعمق وأشمل من وأنها كما يرى المسلمون الإمامية لطف من الله وبعد للمكلفين عن ممارسة القبائح العقلية ( 1 )

وفي اعتقادنا أن طبيعة الرئاسة أو الإمرة وهل هي معنية أساسا بحفظ المصالح الدنيوية أم أنها ينبغي أن تكون أكثر اعتناء بحفظ المصالح الدينية ، هذه الطبيعة تفاوتت بتفاوت الأمة موضع الرئاسة وطبيعة الرسالة التي تحملها هذه الأمة ، وبالتالي فإن مهام الرئاسة في الأمة الإسلامية لا يمكن أن تتشابه مع مهام الرئاسة في الأمة الأمريكية مثلا ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) ( ص / 28 ) .

ومن هنا فإننا نرى أن طبيعة رئاسة الأمة الإسلامية تكتسي وتعنون بالعناوين المدونة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ( ص ) نفسها ، وأن المواصفات المطلوبة في إمامة الأمة الإسلامية هي القدوة على حمل هذه الأعباء ، وأن أي خلل في قدرات القيادة المسلمة على أداء هذه المهام الجسام تطرح العديد من التساؤلات حول أهلية هذه القيادة وأحقيتها لهذا الدور ، ودونكم بعض الأمثلة من كتاب الله :



* ( هامش ) *
( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، 4 / 16 . م . س . ( * )



( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ( النحل / 90 ) .

( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) ( ص / 26 ) .

( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) ( التوبة / 29 ) .

( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( الحجر / 9 ) .

إن إقامة العدل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنهي عن الفواحش ، وتطهير الأرض من الشرك ، والظلم ، والبغي ومقاتلة دول البغي والشرك ، وحفظ حرمات المسلمين وقبل هذا كله حفظ كيان الدين نصا وروحا ، هي مهام من صميم الواجبات الإسلامية الدينية ، بل وهي ، ومن دون أدنى شك ، امتداد لمهام النبوة التي لا تزيد عن هذا إلا بالتبليغ ، وتلقي الوحي من رب السماوات . . . ونضيف إلى هذه الواجبات الشرعية واجبا في غاية الأهمية ، وهو الحفاظ على وحدة المسلمين من التفكك أيا كان المسوغ ، أو المسمى ، ذلك قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) ( الشورى / 13 ) .

( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) ( الأنعام / 135 ) ،

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ( آل عمران / 103 ) .

فكيف إذا يقال أن اختلافهم رحمة ؟ ،
أو أنه لا يوجد مذهب صحيح أو غير متفق عليه ؟
أو أن كل المذاهب الفقهية على تناقضها وتباينها هي مذاهب صحيحة واجبة الاتباع ؟

إننا إذا تأملنا في كلمات الإمام علي ( ع ) وهو يذم اختلاف العلماء في الفتيا فيقول : ( ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه . ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله .

ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد أفأمرهم الله - سبحانه - بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه ، أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول ( ص ) عن تبليغه وأدائه ، والله سبحانه يقول : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) ( الأنعام / 38 ) . وفيه تبيان لكل شئ وذكر أن الكتاب

يصدق بعضه بعضا ، وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( النساء / 82 ) وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ، ولا تكشف الظلمات إلا به ( 1 )

إن كلمات أمير أمير المؤمنين علي ( ع ) تحصر أسباب تعدد اجتهادات العلماء في المدارس الفقهية في عدة افتراضات ليس من بينها أن اختلافهم وتشتتهم رحمة ، كما يروي بعض الرواة عن رسول الله ( ص ) ، فهذه الأسباب الافتراضية لا تخرج عن عدة احتمالات :

أولها . . أن الله تبارك وتعالى أمر الناس بالاتفاق فعصوا . وهذا أصح الاحتمالات .



* ( هامش ) *
( 1 ) توضيح قول المسلمين الشيعة بأن الإمامة لطف من الله إن الإنسان مخلوق غريب الأطوار ، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة ، وبواعث الخير من جهة أخرى ، ولقد خلق الله تعالى فيه عقلا هاديا يرشد إلى الصلاح ومواطن الخير ، ولصعوبة أن يهتدي الإنسان بنفسه لجميع طرق الخير والصلاح كان من لطف الله إرسال الأنبياء ( ع ) لهداية البشر ، ولأن محمدا ( ص ) هو خاتم الأنبياء كان لا بد من استمرار هذا الخط بإمامة علي وذريته ( عليهم السلام ) .


أنظر : عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر ، ص 72 وما بعدها . ط دار الإرشاد الإسلامي - بيروت 1409 ه‍ / 1988 م . ( * )



ثانيها . . أن الله سبحانه أمرهم بالاختلاف فأطاعوه . وهذا فرض مستحيل .

ثالثها أن الدين جاء من عند الله ناقصا ، وأن الناس أكملوه بآرائهم . وهذا أيضا فرض مستحيل .

أما الفرض الرابع والأخير . . أن الرسول الأكرم ( ص ) قد قصر في إبلاغ ما أوحي إليه من ربه . وهذا أيضا فرض مستحيل ، فلا يبقى أمامنا إلا الفرض الأول وهو الصحيح ، فالله تبارك وتعالى أمر المسلمين بالاتفاق ، فعصي أمر الله وشذ بعض الناس عن طاعة ربهم ومولاهم ، ولا بأس أن نقرر بداية أن المخالفة لأمر الله بدأت من قضية الإمامة وهي الأصل ، وامتدت لتشمل فروع الدين ، حتى وصلت الأمة إلى هذه الحالة المزرية التي نعيشها الآن .
__________________

أللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا لَمْ أَزَلْ أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ سَلاَمَةِ بَدَنِي، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَحْدَثْتَ بِيْ مِنْ عِلَّة فِي جَسَـدِي. فَمَا أَدْرِي يَـا إلهِي، أَيُّ الْحَالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ، وَأَيُّ الْوَقْتَيْنِ أوْلَى بِالْحَمْدِ لَكَ، أَوَقْتُ الصِّحَةِ الَّتِي هَنَّـأْتَنِي فِيهَا طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ، وَنَشَّطْتَنِي بِهَا لابْتِغاءِ مَرْضَاتِكَ وَفَضْلِكَ، وَقَوَّيْتَنِي مَعَهَا عَلَى مَـا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَـاعَتِـكَ أَمْ وَقْتُ الْعِلَّةِ الَّتِي مَحَّصْتَنِي بِهَا، وَالنِّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَنِي بِهَا تَخْفِيفاً لِمَا ثَقُلَ بِهِ عَلَى ظَهري مِنَ الْخَطِيئاتِ وَتَطْهيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فيهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، وَتَنْبِيهاً لِتَنَاوُلِ التَّوْبَةِ، وَتَذْكِيراً لِمَحْوِ الْحَوْبَةِ بِقَدِيمِ النِّعْمَةِ، وَفِي خِلاَلِ ذَلِكَ مَا كَتَبَ لِيَ الْكَاتِبَانِ مِنْ زَكِيِّ الاعْمَالِ، مَا لا قَلْبٌ فَكَّرَ فِيهِ، وَلا لِسَانٌ نَطَقَ بِهِ وَلاَ جَارِحَةٌ تَكَلَّفَتْهُ بَلْ إفْضَالاً مِنْكَ عَلَيَّ، وَإحْسَاناً مِنْ صَنِيعِـكَ إلَيَّ. أللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّـد وَآلِـهِ وَحَبِّبْ إلَيّ مَـا رَضِيتَ لِي، وَيَسِّرْ لِي مَا أَحْلَلْتَ بِيْ، وَطَهِّرْنِي مِنْ دَنَسِ مَا أَسْلَفْتُ، وَامْحُ عَنِّي شَرَّ مَا قَـدَّمْتُ، وَأَوْجِدْنِي حَلاَوَةَ الْعَافِيَةِ، وَأَذِقْنِي بَرْدَ السَّلاَمَةِ وَاجْعَلْ مَخْرَجِي عَنْ عِلَّتِي إلَى عَفْوِكَ، وَمُتَحَوَّلِي عَنْ صَرْعَتِي إلَى تَجَاوُزِكَ، وَخَلاصِي مِنْ كَرْبِي إلَى رَوْحِكَ، وَسَلاَمَتِي مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ إلَى فَرَجِكَ، إنَّكَ الْمُتَفَضِّلُ بِالاِحْسَانِ، الْمُتَطَوِّلُ بِالامْتِنَانِ، الْوَهَّابُ الْكَرِيمُ، ذُو الْجَلاَلِ وَالاكْرَامِ.